فهرس الكتاب

الصفحة 1200 من 1335

كان من إخوانه في الله، وخِلاَّنه لله الشَّيخُ العالمُ المُقرئ الكبير الشَّأن عبدُالرَّحمن بنُ ياقوت المؤذِّن (1) ، اتَّفقَ له السَّفَرُ معه إلى الدِّيار المصرية، فبات معه ليلةً في دارٍ واحدة، فهبَّ الشَّيخُ عبد الرحمن من نومه دَهِشًَا رَعِشًا، مسلوبَ العقل، مغلوب الخَتل (2) ، فلم يكن له دأبٌ غير أنْ سلَّ السَّيف ونزل به على الشَّرف بضربة، لو أصابَتْه أَحْطَأَتْهُ (3) لكنه أَخْطَأَتْهُ، فأُمسك وأُلقي في القيد إلى أنْ رجع إلى عقله، فسعى به الشَّرَفُ عند أرباب الدَّولة حتى سُجن، ثمَّ جُعل في رِجلهِ قيدٌ، وأُدخل في زُمَرِ المُقَيَّدِين من أرباب الكبائر والذُّنوب العظائم، وهو ضعيفُ البِنية، لطيف الهيئة، كثير الصَّوم والعبادة، دائم الذِّكر والتِّلاوة، واستمرَّ على ذلك مُدَدًا، وشَفِع فيه النَّاس فلم يُشفِّع أحدًا، إلى أَنْ سخَّر الله له من سهَّلَ له المجاز، وأرسله إلى الحجاز، فلمَّا وصل الشرف تتبعه في طائفه (4) وفي نفسه وعياله، وسعى عند الأشراف ليخرجوه من المدينة فلم يُجب إلى ذلك، ولم يزل كذلك إلى أَنْ طالت المُدَّة، وهلك الشَّرَف، وعاش الشَّيخُ بعده، وصُرِف الشَّرَفُ بإعادة عزِّ الدِّين دينار إلى المشيخة، وكان يعاشره عزُّ الدِّين بالإجلال والاحترام، ويتلقَّاه بالإعظام والإكرام، ومع ذلك سعى في المشيخة وخاب، فحمل مرسومًا بأن يستناب، فاستقرَّ نائبًا لدينار إلى آخر ولايته ثم لياقوت إلى أن مات فجأةً، /484 أصبح في فراشه ميتًا في ربيعٍ الآخر عام تسعةٍ وخمسين وسبعمائة.

(1) عبدالرحمن بن ياقوت المدني المؤذن. كان كبير القدر في القراءة مع حسن الصوت وسلامة الصدر وحسن الخلق. التحفة2/ 548. نصيحة المشاور ص49.

(2) الختل: الحيلة والخديعة. القاموس (ختل) ص991.

(3) أحطأته: صرعته. القاموس (حطأ) ص37.

(4) الطائف: الشرطة والعسس. القاموس (طوف) ص833.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت