فهرس الكتاب

الصفحة 1210 من 1335

ولي قضاء المدينة في عامِ خمسٍ وأربعين، فوردها بعلمٍ غزير، وفضلٍ كثير، وعقلٍ مزير (1) ، ورئاسةٍ تصعد إلى الفلك الأثير، وهيبةٍ تُرعب الجاهل الغَرير، ويتأدَّب معها العاقل الكبير، ونصرةٍ للشَّرع حيث لا مُعينٌ ولا نصير، وقيامٍ في الحقَّ ببأسٍ يخضع له الفَطِن النصير، مع الشَّكالةِ الصَّبيحة، والشَّيبة المليحة، واللَّهجة الفصيحة.

واستنابَ في الحكم القاضيَ بَدر الدِّين بنَ فرحون (2) ، فقام به قيامًا صفَّى اللُّحون، وصحَّح الملحون، وأسالَ على وادي الأعادي سَيْحون وجَيْحون.

ثمَّ إنَّ القاضيَ تقيَّ الدِّين أُصيب ببصره لماءٍ نزل عليه، فتوجَّه إلى الدِّيار

المصرية ليقدحَ عينيه، فَسُعِيَ عليه فَعُزِل، وأُضعف حمل إبله عن العود إلى المدينة

وهُزِل.

واستمرَّ منفصلًا إلى شهور سنة تسعٍ وخمسين، فهبَّت نسمةُ سعدٍ أزاحت عنه نكبات التَّعسِين (3) والتَّعيين، فأعيدت الولايةُ ثانيًا، وصار لمجاني (4) الأماني بيدِ الظَّفَر جانيًا.

ووصل إلى المدينة فجأةً صحبة الأمير جمَّاز، واستقرَّ على عادته في الولاية محفوفًا بالإكرام والإعزاز، مُزال الهموم، مَنْفِيَ الأحزان، مُزَال الكُرَب، مُقبلًا على الطَّاعة، مشتغلًا بالعبادة وما يتوسَّل به إلى الله من القُرَب.

وتُوفي في أوائل سنةِ ستين وسبعمائة، وكان مولده عام أربعٍ وتسعين وستمائة.

(1) مزير: نافذ الرأي. القاموس (مزر) ص475.

(2) مؤلف نصيحة المشاور، اسمه عبد الله، وستأتي ترجمته قريبًا.

(3) التَّعسِيْن: قلة المطر. اللسان (عسن) 13/ 285. والتعيين مأخوذٌ من قولهم: عين فلانًا: أخبره بِمساوئه في وجهه، والمراد ذهب عنه الأذى والسوء. القاموس (عين) ص1219.

(4) المجاني: جمع مجني، وهو المتناول. من قولهم: جَنى الثمرة. القاموس (جنى) ص1271.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت