فهرس الكتاب
وبلغ من أذاهم أنَّه كان يصبح وقد أُغلق عليه باب الدَّار، ولطَّخوا الباب بالعَذِرات والأقذار، وهو لكلِّ ذلك محتمِلُ صبَّار، وربَّما بسط عنهم الأعذار، فإنَّهم توارثوا الخطابة من زمن الفاطميين فشقَّ الفِطام، وصعُب انقطاع ما كان يُجمع لهم بِها من الحُطام، فإنَّه كان من خَلاّتِهم أنْ يُجمع للخطيب في الموسم مالٌ جزيل، ولا يُكمل خطبتَه حتى يُحصِّلَ ما فيه منه التَّأميل.
قال الفقيه أبو عبد الله بن جُبير (1) : شاهدنا بالمدينة في يوم الجمعة سابعِ المحرَّم من عام تسعٍ وخمسين وسبعمائة من أُمور البدعة أمرًا يُنادي له الإسلامُ: ياللهِ، ياللمسلمين، وذلك أنَّ الخطيب وصل للخطبة فصعِدَ منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على ما يُذكر على مذهبٍ غير مرضيٍّ، فلمَّا أذَّن المؤذِّن قام وقد تقدَّمته الرَّايتان السَّوداوان فوقف/493 بينهما، فلمَّا فرغ من الخُطبة الأولى جلس جلسةً خالف فيها جِلسةَ الخُطباء المضروب بِها المثَلُ في السُّرعة، وابتدر الجمعَ مَرَدةٌ من الخَدَمة يَخترقون الصُّفوف ويَتخطَّون الرِّقاب كُدْيةً (2) على الأعاجم والحاضرين لهذا الخطيب القليلِ التَّوفيق.
(1) رحلة ابن جبير ص179، بتصرف يسير. وأبو عبدالله بن جبير هو محمد بن أحمد، ولد في بلنسية سنة 539هـ وتوفي في الإسكندرية سنة 614هـ. شذرات الذهب 60/ 5.
(2) الكدية: الإلحاح في المسألة. اللسان (كَدَيَ) 15/ 216.