وقدم اليمن في سنة سبعٍ وخمسين وسبعمائة، فدخل مدينة زبيد (1) دخولًا عظيمًا، وأقبل إليه أهلها إقبالًا كريمًا، ووقف بين الحنفية مفيدًا، وفي مَغاني (2) مذهبهم مجيدًا، ثمَّ ارتحل إلى الملك المجاهد (3) فأكرمه غاية الإكرام، وعرض عليه الولاية بنشر الأعلام، فرغب عنها، ثم دخل التعز الأعظم…… (4) ، ثم قدم المخلاف إلى الفقيه عبد الله السقالي، وزار الصالحين هنالك، ثم قصد الفقيه حسن بن أبي النيروز واستفاد منه، ثم رجع إلى بلده على أحسن حال، وأنعم بال.
وفي الحجَّة من عامِ ثلاثٍ وسبعين عقيب صدوره من مصر أدركه الأجل المحتوم، وظهر له الأمَدُ المكتوم، وأعقب أولادًا كِرامًا، كلٌّ منهم بلغ من الفضل مَرَامًا.
أنشدني رحمه الله تعالى من شعره من قصيدة طويلة:
أشتاقُ قُرْبَكَ واللَّيالي تُبْعِدُ
وأَرومُ عَطْفَكَ والزَّمانُ يُنكدُ
ما غَيَّرَ الهجرُ المقيمُ ولا الجَفَا
ما كنتَ من حسنِ المودَّة تَعْهَدُ
إنْ كان في تَلَفي رضاك فإنَّني
أهوى هواكَ وأبتغي ما يَقْصدُ…
أَعلمتَ أنَّ السُّقْم بَعدَك لم يدعْ
لي (5)
ومن العجائبِ أنني لك سائلٌ
والدَّمعُ مني سائلٌ مُتَبَدِّدُ
وله رحمة الله عليه من قصيدة:
/506 هبَّ إذْ هبَّ شَمالٌ وصَبا
(1) زبيد: مدينة مشهورة في اليمن، أحدثت في أيام المأمون. معجم البلدان 3/ 131.
(2) المغاني: جمع مغنىً، وهو المنْزل الذي غَنِي به أهلهُ، ثم ظعنوا. القاموس (غنى) ص1319.
(3) الملك المجاهد الرسولي: علي بن داود، من ملوك الدولة الرسولية في اليمن، ولي المُلك بعد وفاة أبيه سنة721هـ، واستمَّر إلى حين وفاته سنة 764هـ. الدرر الكامنة 3/ 49، البدر الطالع 1/ 444.
(4) أربع كلمات مقطوعة في الأصل، وتعز: مدينة في اليمن.
(5) بياض في الأصل ومطبوعة التحفة، والأبيات في التحفة 3/ 272.