قال العمادُ الأصفهانيُّ (1) رحمه الله في فصلٍ يذكر السُّلطانَ الملكَ العادلَ صلاحَ الدِّين يوسفَ بن أيُّوب (2) ، قال: وكان أميرُ المدينة النَّبويِّة صلواتُ الله على ساكنها في موكبه، فكأنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم سَّيرَ الفقير إلى نُصرته، مَنْ يثْرِي (3) به مِنْ يَثْرِبِه. وهذا الأميرُ عزُّ الدِّين أبو فُليتة، وقد وفد في تلك السَّنة أوانَ عودِ الحاجِّ، وهو ذو شيبةٍ تَقِدُ (4) كالسِّراج، وما بَرِحَ مع السُّلطان مأثورَ المآثر، مذكورَ المفاخر، ميمونَ الصُّحبة، مأمونَ المحبَّة، مباركَ الطَّلْعة، مُشارِكًا في الوقعة، فما تمَّ فتحٌ في تلك السِّنين إلا بحضوره، ولا أشرق مطلعٌ من النَّصر إلا بنوره (5) .
فرأيتُه ذلك اليوم للسُّلطان مُسايرًا، ورأيتُ السُّلطانَ له مُشاورًا مُحاورًا، وأنا أسير معهما، وقد دنوتُ منهما، ليسمعاني وأسمعهما.
(1) في كتابه البرق الشامي، وهو: العماد الأصفهانيُّ محمد بن محمد المؤرِّخ، الأديب، الفقيه، الشافعي، له تاريخ (البرق الشامي) وغيره. توفي سنة 597هـ. وفيات الأعيان 5/ 147.
(2) السلطان الكبير، الملك الناصر، صلاح الدين يوسف بن أيوب التكريتي، ولد سنة 532 وتوفي بدمشق سنة 589هـ. سير أعلام النبلاء 21/ 278.
(3) يثري: يُكثر. القاموس (ثري) ص1267.
(4) تقد: تضيء، وهو مضارع وَقَد. القاموس (وقد) ص327.
(5) هذا من الغلو في الأشخاص، فالنصر بيد الله وله فيه المنة والفضل، قال تعالى: {وماالنصر إلا من عند الله العزيز الحكيم} سورة (آل عمران) آية: 126 وقال تعالى: {والذين تدعون من دونه لايستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون} سورة (الأعراف) آية:197.