فخلع السُّلطانُ عليه خِلعةً مُنيفة، وقلَّده إمارةَ المدينة الشَّريفة، وجلَّله من عواطفه وعوارفه بكلِّ طريفة، فلمَّا باشر الولاية نشرَ أعلام السُّنَّة النبَّويَّةِ نَشْرًا جميلًا، وبلَّغَ المجاورين أمانيَّهم فيما كانوا يُرومونه تأميلًا، وحسن ما مهَّده ابنُ عمِّه من المعدلة (1) برفع قواعد السُّنَّة تتميمًا وتكميلًا، وطمس تُرَّهَاتِ (2) مسالِك المبتدعة وبُنيَّات طُرقهم (3) مِيلًا فَمِيلًا. فأصبح بين الأشراف بازًا (4) أشهبًا، وعلىمناكب المناقب ومراتب المناصب طِرازًا (5) ذهبًا، واهتزَّت أرجاءُ المدينة الشَّريفة لظهور السُّنَّة الغرَّاء فَرحًا وطَرَبًا، وهَرب من عدله الحائِت (6) حوتُ بِدعةِ المحائِت (7) واتَّخذ سبيلَه في البحر سَرَبًا.
ظَفِرت السُّنَّة من البدعة بالانتصار، وحَسُنُ الزمان به إلى أنْ صار كما في عصر الأنصار، فالسُّلطانُ (8) شافعيٌّ، والقاضي (9) شافعيٌّ، وشيخُ خدَّام (10) الحرم شافعيٌّ، وهذا مِمَّا لم يُعهد في عصرٍ من الأعصار.
(1) المعدلة: العدل. القاموس (عدل) ص 1030.
(2) التُّرَّهات: جمعُ تُرَّهةٍ، وهي الباطل. القاموس (تره) ص 1244.
(3) بُنيَّات الطريق: هي الطُّرق الصغار تتشعَّب من الجادَّة. اللسان (بنى) 14/ 91.
(4) الباز والبازي: نوع من الصقور. القاموس (بزى) ص 1262، والأشهب المخلوط بياضُه بسواده. القاموس (شهب) ص 103.
(5) الطِّراز: علم الثْوب، وهي من الكلمات المعرَّبة. القاموس (طرز) ص 515.
(6) الكثير العذل، أي للمخالفين. القاموس (حوت) ص 150.
(7) المحائت: المراوغ يقال: حاوتك فلانٌ: إذا راوغك. القاموس (حوت) ص 150.
(8) هو حسن بن محمد بن قلاوون الصالحي.
(9) هو شمس الدِّين محمد بن زكي، المعروف بابن سبع، المصري، الشافعي.
(10) هو ياقوت الخزنداري، افتخار الدين، الآتي ذكره.