وقوله: (ويقتضي اشتراطهم الاحتواء أن هذا الصنيع غير حرام) غير جيد، ولا مقتض لما ذكره، بل مقتضٍ أنه قد توجد مَجْمَرَةٌ وفيها بَخُورٌ إما بفعل جاهل، أو صبي، أو ذمي، أو فاسق، ويَمُر عليها مارٌّ فيشتم منها بَخُورًا فإنه لا يأثم بذلك، وإن قصد الاشتمام.
وليس المراد بالاحتواء أن يَجعله تَحت ثيابه، أو يسبل عليه ذيله أو كمه كما يظنه جهلة المتفقهة، وإنَّما المراد بالاحتواء أن تَحوزه وتضمَّه إما بما ذكرنا، أو بالقعود بقربه بِحيث يُعَدُّ مُتَبَخَّرًا به، أو بوضعه في منزله ليبخِّرَ به منزله؛ كل ذلك احتواء، هذا إذا ذهبنا مذهب من يشترط الاحتواء، وحينئذٍ حرام استعماله، وإذا ثبت ذلك فاستعماله من الكبائر في مذهب الشيخ، لأنه يقول بالذنوب والمعاصي كلها كبائر (1) .
وتبع في ذلك جماعة من السلف (2) .
ومن الكبائر أيضًا في مذهب من حَدَّ الكبيرة بِمَا وَرَدَ فيه وعيد.
وعلى المذهب الشَّاذِّ القائل بأنه من الصغائر قالا على استعماله من الكبائر.
(1) جاء في ترجمة ابنه -تاج الدين السُّبكي- له تَحت عنوان: (ذكر شيء مما انتحله مذهبًا وارتضاه رأيًا لنفسه) قوله: وأنه لا صغيرة في الذنوب، بل الكُّلُّ كبائرٌ، ولكن بعضها أكبر من بعض، وهو رأي الأستاذ أبي إسحاق، ونسبه الشيخ الإمام إلى أبي الحسن الأشعري نفسه. طبقات الشافعية الكبرى 9/ 234.
(2) جاء في الزواجر لابن حجر الهيثمي: (اعلم أن جماعة من الأئمة أنكروا أن في الذنوب صغيرة، وقالوا بل سائر المعاصي كبائر، منهم الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني، والقاضي أبو بكر الباقلاني، وإمام الحرمين الجويني في الإرشاد، وابن القشيري في المرشد،….واعتمد ذلك أيضًا التقي السُّبكي) الزواجر عن اقتراف الكبائر 1/ 7.