فقال: أما حمل الناس على الموطأ (1) ، فليس إلى ذلك سبيل؛ لأن أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم افترقوا بعده في الأمصار، فحَدَّثوا، فعند أهل كل [مِصْرٍ] (2) علْمٌ، وقد قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:/38 «اختلاف العلماء رحمة» (3) . وأمَّا الخروج معك، فلا سبيلَ إليه؛ قال صلّى الله عليه وسلّم: «المدينةُ خيرٌ لهم لو كانوا يعلمون» (4) ،وقال صلّى الله عليه وسلّم: «المدينة تنفي خَبثَها» (5) . وهذه دنانيركم كما هي، إنْ شئتم فخذوها وإنْ شئتم
فدَعُوها (6) .
يعني: أنك تكلفني مفارقة المدينة لما اصطنعته إليَّ، فلا أوثر الدنيا على مدينة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
ودلالة هذه الأحاديث والآثار على الحثِّ والحضِّ والتحريض على الإقامة بالمدينة، وطلبِ الفوز باستيطانها، وقصد السعادة بمجاورة ساحتها، ظاهرةٌ لائحة واضحة؛ فإنها منبع فيض بحار أنوار المِلَّة الإسلامية، ومشرقُ طلوع أقمار السعادة الحقيقية، والدارُ التي اختصها الله تعالى لهجرة حبيبه صلّى الله عليه وسلّم، وظهورِ دينه، ومحلِّ إعلانه بالحق، وإذعان الخلق، وأحبُّ البقاع إلى الله تعالى (7)
(1) كرر الناسخ العبارة: كما حمل عثمان.. إلى قوله: أما حمل الناس على الموطأ.
(2) في الأصل: (عصر) .
(3) بهذا اللفظ عزاه العجلوني في الكشف 1/66، إلى الخطيب البغدادي في الرواة عن مالك. والحديث قد حكم جماعة من المحدثين بأنه موضوع مكذوب، وانظر كلامهم في سلسلة الأحاديث الضعيفة رقم: 59.
(4) الموطأ 2/887.
(5) صحيح مسلم رقم:1381.
(6) وتروى هذه القصة أنها حدثت له مع المنصور. ترتيب المدارك 1/192، سير أعلام النبلاء 8/278.
(7) أحب البقاع إلى الله مكة، كما ورد في حديث عبدالله بن عدي بن حمراء الزهري رضي الله عنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم واقفًا على الحَزْوَرَةِ فقال: والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أخرجت منك ماخرجت.
... أخرجه الترمذي، في المناقب، باب في فضل مكة، رقم:3925، 5/722. وقال: هذا حديث حسن غريب صحيح. وأخرجه ابن ماجه، في المناسك، باب فضل مكة، رقم:3108،2/1037. وغيرهما.