ويُسعِدُني دَهْرِي وتأتي [مسرتي] (1)
فأرتعُ في ظلٍّ ظليلٍ وغِبْطةٍ
وأَنْعُمُ إذ شاهدت أعلام طيبة
واعلم أنه لا يختار مجاورة المدينة الشريفة، ولا يُؤْثِرُ استيطانَها غالبًا إلا من /39يدَّعي محبة هذا النبي الكريم، ومن قبائح الخلال [التي] (2) يذمها أهلُ كل دين ومِلَّة، الدعاوي الكاذبة، فاجتنب، واستعذ بالله أن تتصف بها، أو تكون ممن تعلق بسببها، فلتكن لدعواك شواهدُ وعلامات، وقرائنُ وأمارات، وذلك بأمور:
منها: الإغضاء (3) عند القرب منه صلّى الله عليه وسلّم، فإن من علامات المحب عند نظر محبوبه إليه [رَمْيَه] (4) بطَرْفِه نحو الأرض، وذلك من مَهابتِه له، وحيائِه منه، وعَظَمتِه في صدره، ولهذا يستخف الملوك بمن خاطبهم وهو يُحِدُّ النَّظَرَ إليهم، بل يكون خافضَ الطَّرْفِ إلى الأرض، مخبرًا عن كمال أدب رسوله صلّى الله عليه وسلّم في ليلة الإسراء {مَا زَاغَ البَصَرُ وَمَا طَغَى} (5) . وهذا غاية الأدب، فإنَّ البصر لم يَزِغْ يمينًا ولا شمالًا، ولا طمح (6) متجاوزًا ما هو رائيه ومقبلًا (7) عليه بالتَّشَاوُفِ (8) إلى ما وراء ذلك، ولهذا أُسند النهي والوعيد للمصلي أن يرفع بصرَه إلى السماء، وهُدِّد بخَطْفِ البصر (9) .
(1) في الأصل: (مسرة) .
(2) في الأصل: (الذي) .
(3) أغضى: أدنى الجفون... وأغضى عنه طَرْفَه: سَدَّه، أو: صَدَّه. القاموس (غضى) ص1318.
(4) في الأصل (ورميه) .
(5) سورة النجم آية رقم: 17. قال القرطبي: رحمه الله قيل: لم يمد بصره إلى غير ما رأى من الآيات. وهذا وصف أدب النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك المقام؛ إذ لم يلتفت يمينًا ولا شمالًا. الجامع لأحكام القرآن 17/97-98.
(6) طَمَحَ بصره إليه: ارتفع. القاموس (طمح) ص232.
(7) في الأصل: (مقبلٌ) .
(8) تشوَّف إلى الخبر: تطلع. القاموس (شوف) ص826.
(9) أخرجه البخاري، في الأذان، باب رفع البصر إلى السماء في الصلاة، رقم:750.