وكانت الملوك وعظماء الدول وكبراء الملة الحنفية، كلٌّ منهم كان يفعل ذلك إذا فاز بالحضور هنالك؛ رجاء لحصول الرفعة الباقية، وتأميلًا للحلول في المنزلة السامية الراقية، وأداء لحق النبي الكريم، من رسوم الإجلال والتعظيم، وليسرد حينئذ وظيفة الصلاة والتسليم، وكلما لمح عَلَمًا من تلك الأعلام، يستحضر من شرائط الإجلال والإعظام، ما يليق بذلك المقام، ويراعي كلَّ مكان بحسبه حق الرِّعاء، ويأتي بما يليق به من الذكر والدعاء.
وإن أمكنه أن يدخل/46 المدينة حافيًا، كان ذلك من الأدب وإن لم يكن كافيًا، ولا لِحقِّ التَّعظيم وافيًا، لكن كان شاهدَ صِدْقٍ على الخشوع والانكسار، والخضوع والافتقار، نعم إذا شك في تلوث رجله، فلا بأس عند دخول المسجد تجديد غسلها؛ ليطمئن قلبه، ويَسُدَّ على الشيطان طُرُقَ الوساوس وسُبُلَها من أصلها. ثم من سماع كلام محبوبهم، وفيه غاية مطلوبهم (1) .
ومنها: شِدَّةُ المبالغة في اتِّباع السنة والاقتداءِ بما صحَّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعله، فإن في ذلك دليلًا على طاعته وطاعة المحبوب، غير أن محبته والانقيادَ لأمر المحبوب، وإيثارَه على مراد الحِبِّ (2) ،من أعظم دلائل المحبة، بل ينبغي أن يتحد مراد المحب والمحبوب.
(1) هكذا جاءت هاتان الجملتان (ثم من سماع كلام محبوبهم، وفيه غاية مطلوبهم) وليس لهما-كما ترى- علاقة بما قبلهما ولا بما سيأتي بعدهما، والله أعلم.
(2) الحِب بالكسر: المحبوب. القاموس (حبب) ص70.