وتكرر في القرآن النهي عن الإسراف وما في معناه وذم المسرفين في أكثر من خمس وعشرين آية، كما تكرر النهي عن الاعتداء وذم المعتدين في زهاء ثلاثين آية.
وفي النصوص الصحيحة من السنة النبوية ما يبلغ التواتر المعنوي في النهي عن مجاوزة الحدود الشرعية بالإفراط أو التفريط. وهذه العناية البالغة بهذا الأمر كانت - والله أعلم - لأمرين:
الأول: إن الإنسان بطبيعته البشرية يميل إلى الغلو والإسراف، ويقع فيه ما لم يوجد لديه رادع ذاتي من الفقه بالشريعة، أو رادع خارجي ينبهه إلى تجاوزه الحد، ويحمله على الوقوف عنده.
الثاني: الخطر العظيم للغلو على الشريعة عقيدة وعملًا، كما تثبت وقائع التاريخ.
فالشرك إنما حدث في البشر بسبب الغلو، كما جاء في صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {وقالوا لا تذرنَّ آلهتكم ولا تذرنّ ودًّا ولا سواعًا ولا يغوثَ ويعوقَ ونسرًا} (1) قال: (( هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم: أنِ انصبوا إلى مجالسهم التي كان يجلسون أنصابًا وسمُّوها بأسمائهم(يعني لكي تتذكروهم فتقتدوا بهم) ففعلوا، فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك وتنسَّخ العلم عُبدت )) (2) .
وقال غير واحد من السلف: لما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوّروا تماثيلهم ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم.
(1) سورة نوح، آية رقم: 23.
(2) أخرجه البخاري، في التفسير، باب: ودًّا ولا سواعًا ولا يغوث ويعوق، رقم: 4920، 8/ 535.