قال أحد العلماء في التعليق على هذا: (( وما زال الشيطان يوحي إلى عباد القبور ويلقي إليهم أن البناء والعكوف على القبور من محبة أهل القبور من الأنبياء والصالحين، وأن الدعاء عندها مستجاب، ثم ينقلهم من هذه المرتبة إلى الدعاء بها والإقسام على الله بها، فإن شأن الله أعظم من أن يقسم عليه أو يسأل بأحد من خلقه. فإذا تقرر ذلك عندهم دعاهم إلى دعاء المقبور وسؤاله الشفاعة من دون الله واتخاذ قبره وثنًا تعلق عليه القناديل والستور، ويطاف به ويستلم ويقبل، ويحج إليه، ويذبح عنده، فإذا تقرر ذلك عندهم نقلهم منه إلى دعاء الناس إلى عبادته، واتخاذه عيدًا ومنسكًا، ورأوا أن ذلك أنفع لهم في دنياهم وأخراهم. وكل هذا مما قد عُلم بالاضطرار من دين الإسلام أنه مضاد لما بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم من تجريد التوحيد وأن لا يعبد إلا الله، فإذا تقرَّر ذلك عندهم نقلهم منه إلى أن مَن نهى عن ذلك فقد تنَقَّص أهل هذه الرتب العالية، وحطهم عن منزلتهم، وزعم أنه لا حرمة لهم ولا قدر، فغضب المشركون واشمأزت قلوبهم، كما قال تعالى {وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون} (1) وسرى ذلك في نفوس كثير من الجهال والطغام، وكثير ممن ينتسب إلى العلم والدين، حتى عادَوْا أهل التوحيد، ورموهم بالعظائم ونفروا الناس عنهم ووالوا أهل الشرك وعظموهم، وزعموا أنهم أولياء الله وأنصار دينه ورسوله، ويأبى الله ذلك {وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون} (2 ) )) (3) اهـ.
(1) سورة الزمر، آية رقم: 45.
(2) سورة الأنفال، آية رقم: 34.
(3) فتح المجيد شرح كتاب التوحيد ص: 173 - 175.