قال: وحكى لي جماعة عن الشيخ أبي القاسم الصوفي -رجل من الصالحين كان يتولى خدمة جمال الدين في حبسه- قال: لم يزل الجمال مشغولًا بأمر آخرته مدة حبسه، وكان يقول: كنت أخشى أن أُنقل من الدَّسْتِ (1) إلى القبر. قال: فلما مرض، قال لي بعض الأيام: يا أبا القاسم، إن بيني وبين أسد الدين شيركوه (2) عهدًا، من مات قبل صاحبه حمله صاحبه الحي إلى المدينة -على ساكنها الصلاة والسلام- فدفنه بِها، في التربة التي عملها، فإن أنا مت فامض إليه، وَذَكِّرْهُ. فلما توفي سار الشيخ إلى أسد الدين في هذا المعنى، /181 فأعطاه مالًا صالحًا ليحمله به إلى مكة والمدينة، على ساكنها الصلاة السلام، وأمر أن يحج معه جماعة من الصوفية، ومن يقرأ بين يدي تابوته عند النُّزول والرحيل وقدوم مدينةٍ تكون في الطريق، وينادون في البلاد: الصلاة على فلان، ففعلوا ذلك، وكان المصلي عليه في كل بلدة خلق كثير، فلما كان في الحلة، اجتمع الناس للصلاة عليه، فإذا شاب قد ارتفع على موضعٍ عالٍ، ونادى بأعلى صوته:
سَرَى نعشه فوق الرقابِ وطالما ... سَرَى جودُهُ (3) فوق الرِّكاب ونائِلُهْ
يَمُرُّ على الوادي فَتُثْنِي رمالُه ... عليه وبالنادي فَتُثْنِي (4) أرامله
(1) الدَّست: صدر المجلس. ودست الوزارة: منصبها. المعجم الوسيط (دست) 1/282.
(2) الملك المنصور، فاتح الديار المصرية، أسد الدين شيركوه بن شاذي بن مروان بن يعقوب الدُّويني الكردي، ولد بدوين بأذربيجان، ونشأ بتكريت، ثم قدم الشام، وصار من أكبر أمراء نور الدين زنكي، توفي في جمادى الآخرة، سنة 564هـ. سير أعلام النبلاء 20/587.
(3) في الروضتين1/428: بِرُّهُ.
(4) في الروضتين1/428: وفي النادي فتبكي.