وكان الصحابةُ رضي الله عنهم يهابونَ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إجلالًا وتعظيمًا لشانِه، وتوقيرًا وتكريمًا لمكانِه، فلذلك كانوا يفرحونَ بقدوم الأعرابي كي يَسألَ مما تتضمَّنُه صُدورُهم من المسائلِ (1) ،ويسْتَوضحَ من غرائب الوقائعِ، ويسْتكْشفَ لهم عن الحُجَجِ عليها والدلائلِ، ولو أردتُ إيضاحَ ذلك بإيرادِ /7 أحاديثَ تَدُلُّ على المبالغة والتأكيد من أكابرِ الصحابةِ وسائرهم في تعظيم شأنِ النبي صلّى الله عليه وسلّم وتفخيمِ قدرهِ لملأتُ القَمَاطِرَ (2) ، وأتْعَبْتُ الشَّنَاتِرَ (3) والمَحَابِرَ (4) .
ولَزِمَ من ذلك أن الإزراءَ والغَضَّ مما نوَّه اللهُ تعالى بذكرِه،ِ و [التسريدَ (5) ] على ما أمَرَ اللهُ تعالى بتعظيمِ قَدْرِهِ، وإهمالَ حَقِّ ما أبانَ اللهُ عزّ وجلَّ لنا تفخيمَ مَحَلِّهِ وتبجيلَ أمرِهِ، حرامٌ منهيٌّ عنه بالزَّجرِ الشديد،ِ والمنعِ الأكيدِ، وأنَّ التعريضَ بسببٍ يُفْضِي إلى ذلك، والجنوحَ إلى أمرٍ يُؤدي إلى سلوكِ بعضِ تلك المسالكِ، والإلمامَ بشيء يؤولُ إلى تَحقيرِ شانهِ، والإيِماءَ إلى الجريانِ حول تصغيرِ مكانتهِ ومكانهِ، يُوجب معاندةَ أوامرِ اللهِ تعالى ومعارضةَ أحكامِه، ومناقضةَ ما نَطَقَ التنِّزِيلُ بإيثاقِه وإبرامِه.
(1) ومن الأمثلة على ذلك ما رواه مسلم 1/169، والنسائي 3/437 في الكبرى برقم: 5863، عن أنس بن مالك قال: نُهينا في القرآن أن نسأل النبي صلّى الله عليه وسلّم عن شيء فكان يعجبنا أن يجيء الرجل العاقل من أهل البادية فيسأله، الحديث.
(2) القِمَطْر: ما يُصان فيه الكتب. القاموس (قمطر) ص465.
(3) الشناتر جمع: شُنْتُرة، وهي: الإصبع. السابق (شنتر) ص420.
(4) المحابر: جمع مَحْبَرة. السابق (حبر) ص370.
(5) في الأصل: ( السديد) وعليها علامة توقف (ط) ، ولعل ماأثبتناه هو الصواب، والأصل في التسريد: الخَرْزُ في الجلد والثَّقْب. انظر: القاموس (سرد) ص288.