ويتبيَّنُ ذلك عند نُزولِ عيسى عليه السَّلامِ، وحُكْمِه فينا بالقرآن، والاقْتداء بِهذه الشَّريعةِ (1) ، فصحَّتْ له السِّيادَةُ في الدُّنْيا بِكُلِّ وجْهٍ ومعنىً، ثم أَثْبَتَ له السِّيادَةَ على الخَلْقِ كُلِّهِمْ يومَ القيامة بِفَتْحِه بابَ الشفاعة (2) ، ولا يكونُ ذلك لِنَبيٍّ يوم القيامة إلا لَهُ صلّى الله عليه وسلّم (3) ، فقد يَشْفَعُ صلّى الله عليه وسلّم في الرُّسُلِ والأنْبِيَاءِ، نَعَمْ وفي الملائكة، فيأْذَنُ الله تعالى (4) عند شَفَاعَتِهِ له في ذلك لِجميع مَنْ له شفاعةٌ من مَلَكٍ ورسولٍ ونبيٍّ ومؤمنٍ أنْ يَشْفَعَ، فهو صلّى الله عليه وسلّم
(1) لقد ثبت بالتواتر أن عيسى عليه وعلى نبينا وسائر الأنبياء صلاة ربي وسلامه ينزل
حاكمًا ومحكمًا لشريعة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم،وقد أجمع على ذلك أهل السنة؛ للأحاديث الواردة في ذلك، ولم يقل بخلافه إلا بعض المعتزلة والجهمية ومن وافقهم، وزعموا أن هذه الأحاديث مردودة بقوله تعالى: {وخاتم النبيين} وبقوله صلى الله عليه وسلم: « لا نبي بعدي» ، ورُدَّ بأن عيسى لم ينزل بشريعة جديدة وإنما محكمًا لشريعة الرسول صلى الله عليه وسلم. انظر: صحيح مسلم شرح النووي 18/75 وما بعدها، باب ذكر الدجال.
(2) الشفاعة: الانضمام إلى آخر ناصرًا له وسائلًا عنه، وأكثر مايستعمل في انضمام مَن هو أعلى حُرمة ومرتبة إلى من هو أدنى، ومنه الشفاعة في القيامة. مفردات ألفاظ القرآن للراغب ص457.
(3) روى البخاري وغيره في حديث طويل- عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يجمع الله الناس يوم القيامة فيقولون: لو استشفعنا على ربنا حتى يريحنا من مكاننا، فيأتون آدم … إلى أن يصلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.. فيشفع لهم..» أخرجه البخاري في الرقاق، باب صفة الجنة والنار،رقم (6565) .
(4) يشير إلى شفاعته من أجل القضاء بين المخلوقات كما في الحديث السابق.