ثمَّ تهدَّم على طول الزَّمان وخَرِبَ لخراب المدينة، ولم يبق إلا آثاره ورسمه، حتى جدَّد الجواد جمالُ الدِّين محمد بن علي بن أبي منصور الأصبهانيُّ (1) للمدينة سورًا محكمًا حول مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك على رأس الأربعين وخمسمائة.
ثمَّ كَثُرَ النَّاس من خارج السور، ووصل السلطان نور الدِّين الشَّهيد (2) إلى المدينة، لسبب ذكرناه في فصل الحوادث، فصاح به من كان /333 خارج السور، واستغاثوا وطلبوا أن يبني عليهم سورًا، لحفظ أبنائهم، وماشيتهم، فأمر ببناء هذا السور المجدد اليوم، فبني في سنة ثمان وخمسين وكتب اسمه على باب البقيع، وهو باق إلى اليوم، لكن تهدَّم منه شيء كثير فجُدِّد في أيام الملك الناصر الصالح بن الملك محمد بن قلاون (3) سنة خمس وخمسين وسبعمائة.
(1) كان وزير صاحب الموصل زنكي الأتابك، وكان كريمًا، نبيلًا، محبَّبًا إلى الرعية، يرسل في السنة إلى الحرمين ما يكفي الفقراء، وأجرى الماء إلى عرفات أيام الموسم، وأنشأ مدرسة بالمدينة. توفي سنة 559هـ. المنتظم 10/ 209، وفيات الأعيان 5/ 143، سير أعلام النبلاء 20/ 349.
(2) الملك العادل نور الدين محمود بن الأتابك، صاحب الشام، كان حامل رايتي العدل والجهاد، افتتح حصونًا كثيرة، وبنى المدارس والجوامع، وأنشأ المارستان (المستشفى) ، ودار الحديث، وأبطل المكوس. توفي سنة 569هـ. ترجمته موسعة في (الروضتين) لأبي شامة 1/ 48، مفرِّج الكروب لابن واصل 1/ 109، سير أعلام النبلاء 20/ 531.
(3) اسمه حسن بن محمد بن قلاون، الملك الناصر بن الناصر بن المنصور، ولد سنة 735هـ، وولي السلطنة سنة 748هـ، ثم خلع سنة 752هـ، وأعيد سنة 755هـ. توفي سنة 762هـ. الدرر الكامنة 2/ 38.