جيوشهم قد أمست بالصحراء، بين ضِلَع ابن الشيصبان وبين الحرامية (1) ، والحرامية ماءٌ.
قال أبو زياد: قد رأيتُ تلك الصحراء التي بين الحرامية وبين ضلع بني الشيصبان-فقال المالكيون: نحن مُدْلِجون إن شاء الله تعالى، فمبادروهم فادْعوا الله لنا، ثمَّ انصرف القوم بأجمعهم، ما أعطيناهم شيئًا أكثر من أنَّا قد أذِنَّا لهم فيها، قال: فلا واللهِ ما أصبح فينا سيف، ولا نبل، ولا رمح إلا قد أخذ كلُّه. فقال مِحْجنٌ: لأركبنَّ اليوم، عسى أن أرى من هذا الأمر أثرًا يتحدَّثه الناس بعدي، قال: فركب جملًا نجيبًا، ثم مضى حتى أتانا بعد العصر، فأخبرنا أنه بلغ الصحراء التي بين الحرامية وضلع بني شيصبان، حين امتدَّ النهار قبل القائلة في نهار الصيف، ولم يدخل القيظ. قال: فلمَّا كنتُ بِها رأيتُ غبارًا كثيرًا من ورائي ومن قُدَّامي، في ساعةٍ ليس فيها ريح. قال: قلتُ: اليومَ وربِّ الكعبة يصطدمون. قال: فوقفتُ وتلك الأعاصير تجيء من قبل ضلع بني شيصبان. قال: فإذا دخلتُ في جماعة الغبار الكثير الذي أرى فلا أدري ما يصنع. قال: تخرج تلك الأعاصير من ذلك الغبار، وترجع فيه. قال: فوقفتُ قدَر فُوَاق ناقة.-قال: والفُوَاقُ: ما بين صلاة الظهر إلى صلاة العصر-قال: وأنا أرى تلك الأعاصير ينقلب بعضها فوق بعض؛ ثمَّ انكشف الغبار، والأعاصير تقصد ضلع بني شيصبان، قال: فقلتُ: هُزِمَ أعداء الله. قال: فوالله ما زال ذلك حتى سنّدت الأعاصير في ضلع بني شيصبان، ثمَّ رجعت أعاصير كثيرة عن شمال ويمين، ذاهبة قِبَل ضِلَع بني مالك. قال: فلم أشكَّ أنَّهم أصحابي، قال: فسرتُ قصدًا حيث كنتُ أرى الغبار والأعاصير، فرأيتُ من الحيَّات القتلى أكثر من الكثير، قال: ثمَّ تبعتُ مجرى /355 الغُبار حيثُ رأيته يعلو نحو ضِلَع بني شيصبان. قال: فوالله ما زلتُ أرى
(1) الحرامية: ماءٌ لبني زنباع، من بني عمرو بن كلاب. معجم البلدان 2/235.
... وتحرّفت الراء إلى الزاي في الأصل .