قال أبو زياد (1) : وكان من جملة ما تبيَّن لنا من ذلك، أنه أخبرنا رجل من غَنيٍّ، ولغنيٍّ ماءٌ إلى جنب ضِلَع بني مالك-قال: بينما نحن-بعد ما غابت الشمس-مجتمعون في مسجدٍ لنا، صلَّينا فيه على الماء، فإذا جماعةٌ من رجالٍ، ثيابُهم البياض، قد انحدروا علينا من قبل ضلع بني مالك، حتى أتوا وسلموا علينا، فوالله ما ننكرُ من حال الإنس شيئًا، فيهم كهولٌ قد خضبوا لحاهم بالحِنَّاء، وشبابٌ، وبين ذلك، قال: فتقدَّموا فجلسوا فنسبناهم، وما نشكُّ أنَّهم سائرةٌ مرَّتْ من الناس. قال: فقالوا حين نسبناهم: لا ننكر عليكم، نحن جيرانكم بنو مالك، أهل هذا الضِّلَع. قال: فقلنا: مرحبًا بكم وأهلًا، فقالوا: إنَّا قد فزعنا إليكم، وأردنا أن تدخلوا معنا في هذا الجهاد، إنَّ هذه الكفَّار من بني شيصبان لم نزل نغزوهم منذ كان الإسلام، ثمَّ قد بلغنا أنَّهم قد جمعوا لنا، وأنَّهم يريدون غزونا في بلادنا /354 ونحن نبادرهم قبل أن يقعوا ببلادنا، ويقعوا فيها، وقد أتيناكم لتعينونا، وتشركوا ما معنا في الجهاد والأجر، قال: فقال رجلنا وهو مِحْجنٌ-قال أبو زياد: قد رأيتُه وأنا غلام-قال: استعينونا على ما أحببتم وعلى ما تعرفون أنا مُغنون فيه عنكم شيئًا، فنحن معكم. فقال: أعينونا بسلاحكم، فلا نريد غيره. قال مِحْجنٌ: نعم وكرامة؟ قال: فأخذ كلُّ رجلٍ منَّا كأنه يأمر ليؤُتى بسيفه أو رمحه، أو نبله. قال: فقالوا: لا، ائذنوا لنا في سلاحكم، ثم دعوها على حالها. قالوا: فأمَّا الرُّمحُ فمركوزٌ أمام البيت، وأمَّا النَّبْلُ وجَفيرها (2) وقوسها، فمعلَّقٌ بالعمود الواسط من البيت، وأمَّا كلُّ سيفٍ فمحجوزٌ في العِكْم (3) . فقال مِحْجنٌ: أين ترجون أن تلقوهم غدًا؟ قالوا: أُخبرنا أنَّ
(1) أبو زياد الكلابي، في (نوادره) وقد تقدمت ترجمته.
(2) الجفير: جعبة من جلودٍ لا خشب فيها. القاموس (جفر) ص 367.
(3) العِكْم: ما يُشدُّ به الشَّيء. القاموس (عكم) ص 1139.