[البناية] فيه وجهان، ففي قول: يباح الفرض بنية صلاة مطلقة أو نافلة، ولو تيمم للفرض استباح به النفل قبل الفرض وبعده، وفي قول: لا يجوز به النفل، وبعده يجوز وبه قال مالك وأحمد.
ولو تيمم لمس المصحف أو لقراءة القرآن أو للطواف استباح ما نواه، وهل يبيح به النفل؟ فيه وجهان، ثم اعلم أن المصنف - رَحِمَهُ اللَّهُ - لم يجب عن قول زفر؛ لأن الخلف لا يجوز أن يكون مخالفًا لأصله.
والجواب عنه أن الخلف قد فارق الأصل لاختلاف حالهما، ألا ترى أن الوضوء يجعل بأربعة أعضاء بخلاف التيمم، ومن التكرار في الوضوء دون التيمم.
فإن قلت: لا شك أن التيمم خلف عن الوضوء، فلا ينبغي أن يخالف الأصل قطعًا.
قلت: قد بينت لك أنه يخالف الأصل باختلاف الحال، على أنا لا نسلم أن التيمم خلف عن الوضوء عند الكل: فإن عند محمد خلف عن الوضوء، وعندهما خلف عن الماء في حصول الطهارة، حتى جازت إمامة المتيمم للمتوضئ عندهما خلافًا لما قاله، وسيجيء تحقيقه في باب الإمامة إن شاء الله تعالى.
واعلم أيضًا أن التيمم رافع للحدث أو مبيح، فعندنا رافع للحدث إلى وقت وجود الماء، وقال أبو بكر الرازي: لا يرفع، وبه قال الشافعي كالمسح على الخفين يرفع الحدث عن الرجل، والأول المذهب للحديث الذي في"الصحيحين «وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا» وحديث أنس «الصعيد الطيب وضوء المسلم ولو إلى عشر حجج» ."
فإن قلت: معنى الحديثين: فإن التراب قائم مقام الطهور في إباحة الصلاة، إذ لو كان طهورًا حقيقة لما احتاج الجنب بعد التيمم أن يغتسل، والدليل على ذلك ما أخرجه البخاري ومسلم من حديث عمران بن الحصين - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: «كنا في سفر مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فصلى بالناس، فإذا هو برجل معتزل فقال:"ما منعك أن تصلي"قال: أصابتني جنابة ولا ماء، قال:"يكفيك الصعيد» ، «واشتكى إليه الناس العطش فدعا عليًا وآخر، فقال:"اذهبا فابتغيا الماء"فذهبا فجاءا بامرأة معها مزادتان، فأفرغ من أفواه المزادتين ونودي في الناس، فسقى واستقى، وكان آخر ذلك أن أعطى الذي أصابته الجنابة إناء من ماء، فقال:"اذهب فأفرغه عليك» .
قلت: ليس في الحديث أنه تيمم، ويحتمل أنه - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عاجله بالماء قبل التيمم، أو أنه - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أمره بالاغتسال استحبابًا لا وجوبا، وقد روى أبو داود من «حديث عمرو بن العاص قال: (احتلمت في ليلة باردة وأنا في غزوة ذات السلاسل، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك فتيممت