فهرس الكتاب

الصفحة 327 من 397

والحقيقة أن هذا العلم موجود قبل أن يولد الشافعي، وكل ما فعله الشافعي هو مجرد (اكتشاف) هذا العلم أو ابرازه باسم جديد .. وهذا العلم في الأصل ليس علما بشريا بل هو علم منثور في القرآن الكريم .. وقد كان الصحابة يعرفون هذا العلم .. وتجده منثورا في كلامهم وفي طريقة استدلالهم بل وفي النظر للحديث تعرف الأصول مثل قوله صلى الله عليه وسلم بعد نزول (إن تستغفر لهم سبعين مرة) وكان النبي صلى الله عليه وسلم قال إنه لو علم أنه سيغفر له بعد السبعين لاستغفر .. وكحديث لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريضة ..

فهذه كلها أمثلة وغيرها كثير تدل على أن علم أصول الفقه معروف جيدا للصحابة، وتعلموه من النبي صلى الله عليه وسلم ومن القرآن ..

فإطلاق القول والادعاء بأن اصول الفقه علم بشري بإطلاق خطأ كبير لا دليل عليه سوى عدم تصور وفهم معنى (أصول الفقه)

وكما ذكرنا فإن هذا العلم وكذلك علم (اصول الحديث) هي من العلوم القرآنية، القائمة على القرآن والسنة ..

وأتذكر أنني أصبت بالذهول فديما، عندما فكرت بأن استدل على أصول علم الحديث من خلال القرآن الكريم!

لقد وجدت أن أصول الحديث مبثوثة في القرآن الكريم .. وكل ما فعله علماء الحديث أنهم استخرجوا هذه الأصول وأعادوا تسميتها بمصطلحات جديدة ..

فقضية التحديث عن الثقة موجودة في قولة (إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا) وقضية السؤال عن الاسناد يمكن أن تفهم من قوله (قالت من أنبأك هذا قال نبأني العليم الخبير) !

وهذه الاية يمكن أن يستدل بها على أنواع التحمل!! فتأمل!!

وبنفس الطريقة فإن أصول الفقه مأخوذة من القرآن وقد كان الصحابة والتابعون غير محتاجين لإبرازها، ثم لما ظهر الرأى ودخلت العجمة وظهر المعتزلة وغيرهم من الكلاميين، واستفحل شرهم اضطر الشافعي للبحث في القرآن والسنة عن أصول الفقه وأصول فهم (النص الشرعي) فوجدها وأظهرها .. ولم يبتدعها الشافعي من عنده حتى نقول إنه مبدع هذا العلم ..

ولعل الاستاذ بجاد يعرف قصة الشافعي عندما بحث مسألة الإجماع وأراد أن يعرف مصدره ليقرر هل هو دليل شرعي أم لا؟ ماذا فعل؟

تلحف على فراشه وأخذ يستعرض القرآن الكريم آية آية في ذاكرته حتى اهتدى لما يؤصل هذا الدليل، ويجعله أصلا من اصول الاستدلال، حيث تنبه لقوله تعالى (ويتبع غير سبيل المؤمنين) فاعتبر الاجماع سبيلا للمؤمنين.

الحاصل أن علم الأصول ليس علما مختصا بالشافعي أو هو مبدعه، بل يمكن أن نقول هو من أبرزه وأظهره فقط.

وهذا مثلما فعل الخليل بعلم العروض .. فإن بحور الشعر كانت موجودة، ووجدت اشارات متناثرة في بعض أشعار العرب تدل على أنهم كانوا يعرفون الشعر وميزانه وأنهم كانوا يدركون الفروق بين البحور، وكل ما فعله الخليل هو أنه ابرز وأظهر هذا العلم ووضع له القواعد التي تضبطه فقط ..

وبنفس الطريقة فإن علم النحو كان موجودا والعرب كانت تعرب الكلام ولا تلحن، وكل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت