فهرس الكتاب

الصفحة 78 من 397

لقد كانت أياما عصيبة, حين جمع خمسة الاف من علماء افغانستان وطلب منهم المشورة في مسألة الشيخ أسامة بن لادن طبعا لم يكن مطروحا البتة تسليم بن لادن لكن الخلاف حول هل يبقى أم يطلب منه أن يغادر أفغانستان, أتذكر أيام اجتماعات علماء الطالبان, كانت ثلاثة أيام من أصعب الأيام على المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها, كنا نخشى أن يصدر شيء يسوء أهل الإيمان في كل مكان لكن بحمد الله تجاوزنا المحنة وصدرت توصية الشيوخ لا تلزم الملا بشيء, ولذا اختار الملا بقاء الشيخ أسامة في أفغانستان .. وكان يراجع الملا الإمام مجموعة من الناس يطلبون منه أن يطرد الشيخ فكان يرد عليهم (ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين)

سجل يا تاريخ ...

شخصيا أعتقد أنه لم يقف مسلم بعد أبي بكر رضي الله في مثل الموقف الذي وقف فيه الملا, ونجح الملا بدرجة الامتياز مع مرتبة الشرف الأولى بدون منازع في هذا الامتحان العسير .. لم يسجل في التاريخ أبدا أن دولة كاملة أزيلت بسبب رجل, سجل التاريخ حكاما يتنازلون عن الحكم لأسباب مختلفة أما أن تزول دولة كاملة بسبب موقفها من رجل واحد فهذا لم يحصل قط, واسألوا إن شئتم الأستاذ المؤرخ بشير نافع ..

لماذا وقف الملا هذا الموقف؟ هذا درس مجاني في التوحيد من الملا علمه للأمة قاطبة, مجاني بالنسبة لنا للأسف الشديد لكنه كلف الملا دولة طالبان ..

هل الملا عمر هو الوحيد في طالبان الذي يعطينا الدروس المجانية؟ كلا البتة, كلهم أساتذة في التوحيد ..

الإمام عبدالسلام ضعيف سئل بعد سقوط طالبان وقيل له: هل تشعرون بالندم بسبب موقفكم؟

قال بكل ثبات وطمأنينة, لا لقد فعلنا مقتضى ما جاء في ديننا وفعلنا كل ما بوسعنا ولو قدر لنا أن تعاد الأحداث ثانية لما تغير موقفنا أبدا,

هذا هو التوحيد ايها المتشدقون بالتوحيد والعقيدة! وهؤلاء هم الناس الذي يستحقون بكل جدارة لقب (إمام) لأن الإمامة في الدين إنما تنال بالصبر واليقين وهؤلاء القوم كانوا صابرين ومستيقنين والله حسيبهم ..

أحد الشيوخ الظرفاء كان يقول لي أيام الأحداث السابقة, مازحا: سأتوقف عن شرح كتاب العقيدة الطحاوية, واستبدله بكتاب (شرح العقائد النسفية) وهو الكتاب الذي تدرسه طالبان في مدارسها ..

هذا كله مزاح وإلا فإننا بحمد الله سلفيون في الأسماء والصفات لكن طالبان أعطتنا درسا في كيفية التعامل مع مسائل الخلاف التي يسوغ فيها الخلاف, وأن يكون ولاؤنا وبراؤنا في الله مقترنا بالتوحيد وأصل التوحيد الذي هو توحيد العبادة ..

وأصبحنا نحن الذين كنا نبدع الأشاعرة والماتريدية في مجالسنا نردد في المجالس نفسها (طالبان لا يحبها إلا مؤمن ولا يبغضها إلا منافق أو رافضي، أو كافر بطبيعة الحال) ..

إنها دروس عملية ومفارقات عجيبة يقيم الله بها الحجة على عباده ففي الوقت الذي نرى ذلك الشيخ الذي كتب أمام اسمه (معالي فضيلة الأستاذ الشيخ الدكتور) , نراه يقف إجلالا وتعظيما أمام الطاغوت المبدل لشرع الله المستحل للربا الموالي لأعداء الله من يهود وأمريكان, ليمدحه ويثني عليه. ثم نرى ذلك الشيخ يكتب في طالبان بيانا يفصل فيه عقيدتهم ويقول إنهم ماتريدية في الأسماء والصفات وينسى ذلك الشيخ نفسه ليجعلنا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت