فهرس الكتاب

الصفحة 478 من 828

إذًا: الفن الثاني: علم البيان، أي: أصول وقواعد البيان، فالمراد به الأصول والقواعد، ولا يمكن تفسيره بالملكة أو الإدراك، لأنه محصورٌ هذا الفن في ثلاثة أركان، أو ثلاثة أصول وهو التشبيه والمجاز والكناية كما سيأتي، والمحصور إنما هو المعلوم لا العلم، وأخر الكلام على فن، أو علم البيان عن الكلام عن المعاني لكونه أخصَّ منه، ما هو الأخص؟ المعاني أخص من البيان، إذ المعاني كالمفرد، والبيان كالمركب، كما سبق في النوع الأول، فهو منه بمنزلة المفرد من المركب .. فهو منه يعني: علم المعاني من البيان بمنزلة المفرد من المركب، لأن البيان علمٌ كما سيأتي حدُّه: علمٌ يُعرف به إيراد المعنى الواحد في تراكيب مختلفة بعد رعاية المطابقة لمقتضى الحال.

إذًا: التراكب والاستعمال إنما يكون متى؟ بعد رعاية المطابقة، ورعاية المطابقة أين تُدرس، وأين تُعلم، من أين تُؤخذ؟ من علم المعاني، فصار داخلًا فيه، فعلم البيان: علم المعاني وزيادة، لماذا؟ لأنه لا يمكن أن يأتي البيان أو التراكيب المختلفة بمعنىً واحد إلا بعد مطابقة مقتضى الحال، يعني: رعايتها.

حينئذٍ صار علم المعاني مقدَّمًا وهو مفرد، صار علم البيان تاليًا وهو مركب.

إذًا: علمٌ يُعرف به إيراد المعنى الواحدِ في تراكيب مختلفة بعد رعاية المطابقة لمقتضى الحال التي هي من متعلقات علم المعاني، ففيه زيادة اعتبارٍ ليست في علم المعاني، لأنه يبحث عن تراكيب بعد رعاية المطابقة، وأما علم المعاني فإنما ينظر في المطابقة فحسب.

والمفرد مقدمٌ على المركب طبعًا، ولذلك أخره عنه وضعًا، كما هو معلومٌ في موضعه، وكذلك المركب مؤخرٌ في الوجود عن المفرد، المركب الذي هو علم البيان مؤخر في الوجود، ولذلك العلم بالجزء مقدمٌ على العلم بالكل، وقدمه على الثالث الذي هو البديع لشدة الاحتياج إليه، لكونه جزءً من علم البلاغة ومحتاجًا إليه في تحصيل بلاغة الكلام بخلاف البديع فإنه من المحسنات، وهذا العلم من شروط تحسينه كما سيأتي والشرط مقدمٌ على المشروط.

إذًا: قدم المعاني لكونه مفردًا على البيان الذي هو المركب، وقدم البيان على البديع لكونه شرطًا، والشرط مقدمٌ على المشروط.

هذا تسلسلٌ عقلي يعتني به أرباب العلوم، وهو مفيدٌ جدًا لطالب العلم، ومن هنا كانت المتون تربي طالب العلم على التسلسل، بمعنى أنه ينتقل من باب إلى باب، وثَم رعاية لمناسبةٍ بين الباب والباب، وكذلك من كتابٍ إلى كتاب، وثَم مناسبةٌ بين الكتاب والكتاب، ولذلك أقول دائمًا: الذي يدرس الفقه على جهة المتون الفقهية يكون ذهنه مرتبًا ليس كالذي يهجم على الحديث مباشرةً، دون أن يكون له سابق علمٍ بالفقه، ذاك تجده مرتبًا ذهنيًا، وذاك تجده مبعثرًا بما تقتضيه هذه الكلمة من معنى.

قال السعدُ:"قدمه على البديع - يعني: البيان - للاحتياج إليه في نفس البلاغة وتعلق البديع بالتوابع"البديع متعلقٌ بالتوابع بخلاف البيان، فإنه داخلٌ في مفهوم البلاغة.

قوله: الفن الثاني: علم البيان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت