* الإطناب: لغةً، واصطلاحًا.
* هل كل زيادة في الكلام مقبولة؟
* أنواع الإطناب، ومثال كل نوع منها.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
ما زالَ الحديثُ في الباب الثامن من أبواب المعاني، وهو الإيجاز والإطناب والمساواة:
تأديةُ المعنى بلَفظِ قَدْرِهِ ... هِيَ المساواةُ كَـ"سِرْ بِذِكرِه"
وبِأقلَّ مِنْهُ إِيجازٌ عُلِمْ ... وَهْوَ إلى قَصْرٍ وَحَذفٍ ينْقَسِمْ
كَ"عَن مَجالِسِ الفُسوقِ بُعْدا"... ولا تُصاحِبْ فاسِقًا فتَردى
هذا سبقَ الحديثُ عنه على جهة التفصيل، ووقفنا عند قول الناظم رحمه الله تعالى:
وعَكسُهُ يُعرَفُ بالإطنابِ ... كَ"الزمْ رَعاكَ اللَّهُ قَرْعَ البابِ"
هذا هو النوع الثالث: وهو الإطناب، إطناب .. إفعال، مِن أطنَبَ في الكلام، أي: بالغَ فيه، الإطنابُ هو المبالغة، المبالغة في الكلام.
وسبقَ أن المقبولَ مِن طُرُق التعبير عن المعنى ثلاثة: إذ القسمةُ خُماسيّة اثنان مَردودان، والمقبولُ هو ثلاثة: تأديةُ أصل المراد بلفظٍ مُساوٍ له، أو ناقصٍ عنه وافٍ أو زائدٍ عليه لفائدة، هذا المقبول، والقسمةُ العقلية تَقتضي أنها خمسة، لأن اللفظ إما أن يُساوي، وإما أن يكون أقلّ؛ وافٍ أو غير وافٍ، أو يكون بزائدٍ لفائدة أو ليس لفائدة، إذن: صارت الطرق خمسة، والمقبول منه: ما كان مساويًا.
وهذا قلنا: فيه خلاف؛ بعضُهم أثبتَهُ وبعضُهم أدخلَهُ في الإيجاز، والإيجازُ أن يكون بأقل منه وافٍ، وأن يكون بزائدٍ، وكذلك يكون لفائدة.
والمراد بالمساواة: أن يكون اللفظ بمقدار أصل المراد لا ناقصًا عنه بحذفٍ أو غيره، ولا زائدًا عليه بتَكرارٍ أو غيره، بأن يكون اللفظُ مساويًا للمعنى، ليسَ المعنى بزائدٍ على اللفظ، وليسَ اللفظُ بزائدٍ على المعنى، وهذا ما يُسمّى بالمساواة، وبعضُهم أدرجَها في الإيجاز.
أو ناقصٍ عنه وافٍ بهذا القيد احتِرازًا عن الإخلال وما يُسمّى بالحشو ونحوه، وهو أن يكونَ اللفظُ قاصِرًا عن أداء المعنى .. أن يُعبِّرُ بلفظٍ قليل مُرِيدًا به المعنى، لكنه يخلُّ ولا يأتي به، ولذلك صارَ الإيجازُ من أنواع البلاغة، بمعنى: أنه لا يأتي بلفظٍ قليل عن معنىً كثير إلا إذا كانَ من أهل اللغة، فإذا لم يكن كذلك فقد لا يكونُ الكلام وافيًا، قد يريدُ أن يُوجِزَ في الكلام، ولكنه يُجحِفُ به، فحينئذٍ يكونُ المعنى فاسدا، ولذلك زادوا قيّد: وافٍ .. أو: ناقصٍ عنه وافٍ، احترزَ به عن الإخلال، وهو أن يكون اللفظُ قاصرًا عن أداء المعنى، كقول عروة بن الوردي:
عجبتُ لهم إذ يقتلون نفوسَهم ومقتلُهم عندَ الوغى كان أعذرا
إذ يقتلون نفوسهم: أرادَ به الاختصار، ولكنه أرادَ به يقتلون أنفسَهم في السلم، لكنه قصَرَ بعضَ الألفاظ ولم يُصِب في المعنى.
أو زائدٍ عليه لفائدةٍ .. لفائدة، لا بدّ من هذا القيد وهو الذي سيأتي النوع الثالث، واحترزَ به عن شيئين: