* تابع لشرح الإسناد الخبري.
* أقسام المخاطَب, الإبتدائي, الطلبي, الإ نكاري.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
ما زالَ الحديثُ في الباب الأول وهو الإسناد الخبريُّ.
قلنا: مرادُهُ بالإسناد هنا الإسناد الخبري احترازًا عن الإسناد الإنشائيّ، وهو وإن كان يَطرأُ عليه ما يَطرأُ على الإسناد الخبري إلا أن الإسناد الخبري لأهميتِهِ وعِظَم شأنهِ وفائدتِهِ كان مُنفرِدًا بالأحكام الأربعة التي ذكرها، يعني: لكثرة دخول هذه الأمور العارضة والأحوال العارضة من الإسناد على الخبر كأنه استقلَّ بها، وإلا ذكرنا أن الأمور العارضة لأحوال الإسناد الخبري أربعة: التوكيد، وتركُهُ، والحقيقة العقلية، والمجازُ العقلي.
هذه تكون في الخبر وتكون في الإنشاء، إذن: لماذا خصَّ الإسناد الخبري دون الإنشائي، نقولُ: الخبرُ هو أصل الإنشاء، هذا أولًا، وثانيًا: لعِظَم شأنه وعموم فائدته قدَّمَ الكلام فيه على الكلام في الإنشاء.
أيضًا الإنشاء فرعُ الخبر؛ لأن الإنشاءَ إما أنه مشتقٌّ من الخبر كالأمر والنهي، وإما أنه منقولٌ عنه، كنِعمَ وبِئسَ وبِعتُ واشتريتُ، وإما بزيادة أداة تنقلُهُ من الخبر إلى الإنشاء، مثل الاستفهام والتمني والترجي ونحو ذلك؛ لأنّ أصل التركيب: زيدٌ قائمٌ، تقول:"ليت زيدًا قائمٌ"كان خبرًا فصار إنشاء، إذن: الأصلُ الخبر والإنشاءُ فرع.
الإسناد الخبري، قلنا: النسبة إلى الخبر، والخبر على الأصح إنه قسِيمٌ للإنشاء ولا ثالثَ لهما، يعني: الكلام ينقسم إلى خبرٍ وإنشاء، والجمهور على هذا أنه قسمان ولا ثالث لهما؛ كما قال السيوطي رحمه الله:
محتمِلٌ للصدق والكِذبِ الخبر وغيره الإنشا ولا ثالث قَرّ
يعني: ولا قول ثالث، و"قر"بمعنى: استقر؛ فإذا كانت القسمة ثنائية: خبرٌ وإنشاء، فحينئذٍ قسَّمَ الناظم على الأصل تبعًا للأصل -صاحب التلخيص- الأبواب المتعلِّقة بالخبر، ثم بعد ذلك يأتي الكلام على الإنشاء، والطلبُ الذي هو نوعٌ من الإنشاء داخلٌ فيه، ولا يُجعَلُ قسمًا ثالثًا.
إذن: حدُّ الخبرِ كما ذكرنا: ما احتملَ الصدقَ والكذبَ لذاتِهِ، الكلام الخبري مع قطعِ النظرِ عن خصوص قائله ولو كان مقطوعًا بصدقِهِ أو كذبه، ومع قطعِ النظر عن القرائن وخصوصِ المادة كما ذكرناه، فيتناولُ التعريف حينئذٍ الأخبار اليقينية الصوادق والكواذب، فنقول:
محتمِلٌ للصدق والكِذب الخبر ..
يعني: الخبر: ما احتملَ الصدقَ والكذب، نزيد؛ لا بد: لذاته؛ لأن الخبر من حيث قائله ثلاثة أنواع:
ما احتملَ الصدقَ فقط ولا يحتمل الكذب، يعني: الصدق يكون مقطوعًا به، الثاني: ما احتمل الكذب ولا يحتمل الصدق، يعني: الكذب يكون مقطوعًا به، والثالث: ما احتمل الصدقَ والكذبَ ولا يُقطع بواحدٍ منهما.
هل الخبر خاصٌ بالنوع الثالث، أم أنه يشمل النوع الأول والثاني؟ نقول: يشمل الثلاثة الأنواع، حينئذٍ لا بد من زيادة قوله: لذاتِهِ، بعضُهم يسقطُها والصواب زيادتها؛ لأنه قيدٌ مهم.