* باب الإيجاز والإطناب والمساواة.
* تعريف الإيجاز والإطناب والمساواة: لغةً واصطلاحًا.
* هل المساواة قسم مستقل بذاته؟
* أمثلة على المساواة، والإجابة على الاعتراضات التي وردت عليها.
* ينقسم الإيجاز إلى قسمين.
* الفرق بين قسمي الإيجاز، وكيفية التفريق بينهما.
* أمثلة على الإيجاز بقسميه.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
قال المصنف رحمه الله تعالى:
الباب الثامن: الإيجاز والإطناب والمساواة.
الباب الثامن وهو خاتمةُ أبوابِ فنَّ المعاني، وقلنا: هي ثمانيةُ أبواب، وهذا هو خاتمتُها: الإيجاز والإطناب والمساواة، وهو بابٌ عظيم مِن أبواب علم المعاني كسابقِهِ باب الوصل والفصل، حتى قيلَ: إنّ البلاغة هي الإيجاز والإطناب، كما قيلَ في الفصل والوصل.
الإيجاز والإطناب والمساواة، قدَّمَ صاحبُ التلخيص هنا الإيجازَ على الإطناب والمساواة. أخَّرَ المساواة، وبعضهم قدَّمَ المساواة على الإيجاز والإطناب، ثَم خلافٌ في الترتيب والتقديم، مع أنه في التعريف قدَّمَ المساواة، قال ماذا؟
تأديةُ المعنى بلَفظِ قَدْرِهِ ... هِيَ المساواةُ كَـ"سِرْ بِذِكرِه"
وبِأقلَّ مِنْهُ إِيجازٌ عُلِمْ ... وَهْوَ إلى قَصْرٍ وَحَذفٍ ينْقَسِمْ
فقدَّمَ المساواة على الإيجاز في باب التعريف، وأما في الترجمة فقدَّمَ الإيجاز والإطناب على المساواة، نقول: قدَّمَ في الترجمة الإيجاز تنبيهًا على أنه يُناسِبه التقديم في الكلام، وأردفَهُ بالإطناب لكونه مُقابِلًا له، لأن الكلام باعتبار المعنى واللفظ إمّا أن يتساويا بأن يكون اللفظُ مساويًا للمعنى، والمعنى مساويًا للفظ، ليسَ أحدُهما أقلَّ من الآخر، ولا أكثر من الآخر، هذا هو المساواة.
وقد يكونُ اللفظُ أقلَّ من المعنى، المعنى كثير واللفظُ يسير، والإطناب بعكسه: الأول الإيجاز والثاني الإطناب، فإذا كان الكلامُ كثير الكلمات والألفاظ كثيرة، ولكن المعنى أقل، هذا يُسمّى إطنابًا، أطنبَ في الكلام بمعنى: أنه أكثرَ من اللفظ والمعنى يسير، وبالعكس هو الإيجاز: أن يأتي بالمعنى الكثير بألفاظٍ قليلةٍ، حينئذٍ يُسمّى اختصارًا ويُسمّى إيجازًا.
إذن: بدأ بالإيجاز لأنه يُناسِبه التقديم في الكلام، وأردفَهُ بالإطناب لكونه مُقابلًا له، ثم لما كان للمساواة ما يقتضي تقديمها، وهو كونها الأصل المقيس عليه، قدَّمها في المترجم له تنبيهًا عليه، لماذا؟ لأننا لا نحكم بأقل أو أكثر إلا إذا عرفنا المساواة، فأولًا تُقدِّر في نفسك أن هذا الكلام إذا أردتَ أن يكون مساويًا فلا بد أن تأتي بكذا وكذا، ثُم بعدَ ذلك تتفرَّع منه إلى الحكم بالإيجاز والإطناب، فالأول يتصوَّر في الذهن هو المساواة، ثُم بعد ذلك يتفرع عنه الحكم بالإيجاز والإطناب، لأنك تقول: هذا إيجازٌ بمعنى: أنه كلامٌ مِن حيث المعنى كثير، ومن حيث اللفظ يسير، متى تحكم؟ لأنك تتصوَّر أولًا المساواة، ثم تقول: هذا المعنى أكثرُ من لفظه، فتحكمُ بالإيجاز، أو تتصوَّر في نفسك أولًا المساواة بأن المعنى واللفظ ينبغي أن يتطابقا من حيث كذا، ولكن هذا اللفظ أكثر من المعنى، فاستحضرتَ أولًا في الذهن المساواة، ثم بعد ذلك حكمتَ بالإطناب.
إذن: الأصل المقيس عليه الذي يتفرَّعُ عنه الحكم بالإيجاز والإطناب هو المساواة، فمن لم يَعرف المساواة لا يعرف الإيجاز ولا الإطناب.