* الباب السادس في الإنشاء، وشرح الترجمة.
* الإنشاء اصطلاحًا.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
نشرَعُ فيما توقّفنا فيه مِن شرحِ الجوهر المكنون في مُستهلّ هذه الإجازة التي تُسمى: الإجازة الصيفية، وبعضُهم يقترحُ أن يكون هناك كلامٌ حولَ الإجازة واستغلالها ونحو ذلك، لكن نقول: طلابُ العلمِ ليسوا بحاجة إلى مثلِ ذلك، فمَن لم يعرف قدرَ العلمِ هو الذي يحتاج أن يُقالَ له: والوقت يُستغلُّ في الحفظ وفي القراءة وفي دروسِ أهل العلم، وأن يَستفيدَ في هذه الأيام التي قد لا تُوجَد في غيرها من أيام السنة، لأن الكثير إما أن يشتغلَ بوظيفة، وإما أن يكون في مدرسة أو جامعة أو نحو ذلك، فلا يَتسنّى لهم من الوقوف مع العلم والحفظ والقراءة والجرد إلا في مثل هذه الأيام، فإذا كان يَشتكي في أيام السنة مِن انشغالِهِ، وجاءت الصيفيةُ ويريدُ أن يطلبَ ما يطلبه العوام، فتكون حياته حياةَ العوام، هذا قد لا يتأنّى، أو لا يتأتّى له من العلم ما يتأتّى لغيره، وهذا خلافُ ما عليه أهل العلم من الجادّة في الطلب والتحصيل، بل الواجب طالب العلم أن يتميَّزَ بنفسه ويتميَّزَ بفهمه وبعقله وبحفظه لوقته، وبمعرفة شرف وقدر العلم وأهل العلم، والنظر في كتب أهل العلم، يتميَّز بكل ذلك عن غيره من العوام، وإلا العوام هم الذين يستقبلون مثل هذه الأيام بالفرح ونحو ذلك، والكلُّ يتمنى أن يكون من أهل السياحة كذا، وهذا كذا ..
نقول: هذا أمرٌ مُباح في الأصل، إن لم يكن ثَم أمر محرَّم، لكن طالب العلم يختلفُ عن غيره من العوام، فإن كانت هذه همته، وهذه إرادته لا بأس أن يتسيَّح ساعة أو ساعتين .. يوما أو يومين، أو أسبوعا على الكثير، لكن لا تكون كلّ أيامه ذاهبة في مثل هذا الفرح واللعب واللهو، بل لا بدّ أن يتميَّز عن غيره.
وهذا الذي أشعرُ أن طلاب العلم في هذا الزمان في كثير من أحواله أنه يلتبسُ عليه مثل هذه الأمور، يظنُّ أن طلب العلم محصورٌ في ماذا تحفظ؟ وماذا تقرأ؟ وماذا تدرس فحسب؟ ثم سلوكه واعتقاداته وتصوراته عن الحياة .. عن الحياة نفسها، عن عمره .. عن وقته .. عن نومه .. كيفية نومه .. متى ينام، ومتى يستيقظ، أكله وشربه .. مخالطاته للناس، واستعماله لما قد يضيّع الأوقات من الوسائل الحديثة، الجوالات ونحو ذلك، تجدُهُ كالعامي، بل قد تجدُ من العوام مِن هو أحسن منه في حفاظه على وقته.
فجديرٌ بطالب العلم أن ينظرَ نظرًا جادًّا في كيفية استغلال مثل هذه الأيام، يتعبَّد .. يتعذَّر الكثير في أيام السنة بأنه قد لا يستطيع أن يصوم ويكثر من الصيام، ويقوم الليل ونحو ذلك، وكثير من قراءة القرآن وجردِ كتبِ أهل العلم المطولات، أقول: هذه يتعذَّرُ الكثير عن الوقوف معها في أيام السنة، وإذا جاءت الإجازة نقول: هذه فرصتك، وهذه ساحتك، وهذه أيامك، أنتَ الذي تتحكَّمُ فيها، وأنت الذي تسيرُ بنفسك في هذه الأيام بما يُرضي ربّك جل وعلا، لا بما يمليه هواك، أو تمليه عاداتُ الناس وتقاليد الناس، ودعكَ من الناس، ودعكَ من تقليدهم.
ونعود إلى باب الإنشاء، وهو الباب السادس من الأبواب الثمانية في علم المعاني.