ثُم لما كان للمساواة ما يقتضي تقديمها، وهو كونها الأصل المقيس عليه، قدَّمها في المترجَم له تنبيهًا عليه، ولذا قدَّمها السيوطي في عقود الجمان، والوجهُ الذي لحظهُ صاحب الأصل التلخيص في تقديم الإيجاز والإطناب على المساواة، هو توقُّفُ معرفتِها على معرفتهما، لأنه ما لم تُعلم الزيادة التي هي عبارة عن الإطناب والنقصُ الذي هو عبارة عن الإيجاز بشرطهما؛ لم تعرف المساواة إذ هو موقوفةٌ عليهما.
إذن: لا يمكن أن يُعرَف أحدهما الإيجاز والإطناب إلا بمعرفة المساواة، إما أن تجعلَ المساواة أصلا وهي المقيس عليه وهذا هو الظاهر، وإما أن تجعل الأصل هو الإيجاز والإطناب، وهذا فيه نَوعُ بُعد، لماذا؟ لأنك ما تحكم بكون اللفظ أقل أو أكثر إلا إذا استحضرتَ المساواة، حينئذٍ يكونُ الحكم بالإيجاز والإطناب مُتفرِّعًا على المساواة، هذا الذي يظهر، والله أعلم.
والسيوطي رحمه الله تعالى قدَّمَ المساواة على الإيجاز والإطناب، وقال في شرحه:"الأقربُ أن يُقال: المقبول من طرق التعبير عن المراد تأدية أصلِه بلفظٍ مساوٍ له"لأن المعنى يكون كائنًا في القلب .. في النفس، إذا أردتَ أن تؤدّي عمَّا في نفسِك، حينئذٍ في الأصل أن يكون ماذا؟ بلفظٍ مساوٍ له، إذا كان عندَك معنى تريد إيصاله إلى الغير.
حينئذٍ الأصل فيه: أن تأتي بلفظٍ مُطابقٍ للمعنى الذي في نفسِك، هذا هو الأصل: مُساوٍ له، أو ناقصٍ عنه وافٍ، لأن الناقصَ قد يكون ناقصًا ثم يقعُ في قلق واضطراب، قد تحذِفُ بعض الكلمات تظنُّ أنه إيجاز وليس هو بإيجاز، حينئذٍ يُشترَط في الإيجاز الذي هو حذف بعض الكلمات، يُشترَط فيه عدم الإخلال، بمعنى: أنه لا يترتّبُ عليه ركاكةٌ في اللفظ ولا قلق ولا اضطراب، فحينئذٍ تُحذَف بعض الكلمات ويؤدّى المعنى الذي أراده قبلَ الحذف بعينه بعد الحذف فيستويان، كما سيأتي بيانه.
أو زائدٍ عليه لفائدةٍ، فالأول المساواة والثاني الإيجاز والثالث الإطناب، فالمساواةُ فيه مُتقدِّمةٌ عليهما كما ترى، هذا هو الظاهر والله أعلم: أن المساواة مُتقدِّمة على الإيجاز والإطناب.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
تأديةُ المعنى بلَفظِ قَدْرِهِ ... هِيَ المساواةُ كَـ"سِرْ بِذِكرِه"
شرعَ في بيان حقيقة المساواة، ما هي المساواة؟ المساواة في اللغة: يُقال ساواهُ؛ ماثلَهُ وعادلَهُ، هذا الأصل في المساواة في اللغة، وهنا وافت المعنى الاصطلاحي؛ لأن المعنى الاصطلاحي: أن يكونَ تأديةُ المعنى بلفظٍ مُساوٍ له، حينئذٍ نقول: ساوى اللفظُ المعنى فلم يَزد عليه ولم ينقُص، وساوى المعنى اللفظ فلم يزد عليه أو ينقُص، نسميه ماذا؟ مساواة، ساواه، أي: ماثَلَه وعادَلَه، وهذا بذاك .. يعني: ساوى هذا بذاك رفعَه حتى بلغَ قدرَه ومبلغَه، وبينهما يعني: ساوى بينهما: جعلهما يتماثلان ويتعادلان، والمعنى الأول والأخير مُرادُه هنا في المعنى الاصطلاحي.
قال الناظم: تأديةُ المعنى بلفظِ قَدْرِهِ هِيَ المساواةُ .. تأديةُ، يُقال: أدّى أو: تأدّى الأمرُ أُنجِز، وإلى فلان توصَّلَ.