فهرس الكتاب

الصفحة 125 من 828

ما احتمل الصدقَ والكذبَ لذاته، يعني: لذات الخبر بقطع النظر عن القائل، وبقطعِ النظر عن القرائن، وبقطعِ النظرِ عن المادة؛ خصوص المادة، نحو: الكلُ أكبر من الجزء، والجزءُ أصغر من الكل، هذا لا يحتمل إلا الصدقَ، ولا يحتملُ الكذبَ أبدًا؛ لأنه مَعلومٌ عقلًا بضرورة العقل أن الكلَّ أكبر من الجزء، كذلك: السماءُ فوقَنا والأرض تحتنا، هذا لا يحتمل إلا الصدقَ، وقولُ مسيلمة أو فرعون: (( أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى ) ) [النازعات:24] نقول: هذا لا يحتمل إلا الكذب، كذلك ادعاء مُسيلمة الكذاب النبوة، نقول: هذا لا يحتمل إلا الكذب، لكن بأمرٍ خارجٍ عن الخبر، أما بالنظر إلى ذاتِ الخبر فحينئذٍ يجوزُ أن يُحكمَ عليه بالصدق ويجوز أن يُحكمَ عليه بالكذب.

الصدق والكذب تعريفهما، نقول الصدق: مطابقةُ حكمِ الخبر للواقع، والكذب: مخالفةُ حكمِ الخبرِ للواقع، أو عدمُ مطابقةِ حكمِ الخبر للواقع:

تطابق الواقع صدقُ الخبرِ وكِذْبه عدمه في الأشهرِ

ولكن هنا يُقيَّد: بأنه ولو خالف الاعتقاد، يعني: لا يُشترط في الصدق أن يكون الخبر مطابقًا للاعتقاد، لا بل يُحكمُ بصدق الخبر ولو خالفَ الاعتقاد، ويُحكَم بكذب الخبر ولو خالفَ الاعتقاد، فلا قرينةَ بين صدق الخبر ومطابقة الاعتقاد له، ويحكم بكذب الخبر ولو خالف الاعتقاد.

ولذلك أجمعوا على أن اليهودي الحاقد على الإسلام لو قال: الإسلامُ حقٌّ، طابقَ أو لم يطابق؟ طابق، مع كون الخبر في الواقع مطابِقًا لما هو عليه في نفس الأمر، الإسلام حق، لكن هل طابقَ اعتقاد القائل؟ لا لم يُطابق، مع ذلك أجمعوا على صدقِ الخبر: الإسلام حق، ومحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، نقول: هذا حقٌّ محمدٌ رسول الله.

وأجمعوا على بطلان قولِهِ لو قال: محمدٌ ليس بنبيّ، نقول: هذا كذب، ولو طابقَ اعتقادَه، لماذا؟ لأنه لا يُشترطُ في الحكم على الصدق أو الكذب النظر إلى الاعتقاد، إذن: مطابقة حكمُ الخبر للواقع ولو خالفَ الاعتقاد، وعدم مطابقة حكم الخبر للواقع ولو وافق الاعتقاد أو خالف الاعتقاد لا إشكال.

إذن: هذا هو حدُّ الخبر:

ما احتملَ الصدقَ لذاته جرى بينهمُ قضية وخبرا

يُسمّى: قضية عند المناطقة، ويُسمى خبرًا عند البيانيين، ولا إشكال.

شرَعَ في بيان حقيقة الإسناد فقال:

الحُكْمُ بالسلبِ أوِ الإيجابِ إِسْنادُهمْ، إسنادهم، أي: الإسنادُ الخبري، وقلنا: الخبر يُنظرُ إليه من جهة اللفظ، وينظر إليه من جهة المعنى، يعني: له معقول وله ملفوظ، يُعرَّف الإسناد من جهة اللفظ: بأنه ضمُّ كلمةٍ أو ما جرى مجراها .. أو ما أُجرِيَ مُجراها إلى أُخرى، بحيث يُفيدُ الحكمَ بأن مفهومُ إحداهما ثابتٌ لمفهوم الأُخرى أو مُنتَفٍ عنها، هذا هو الإسناد الخبري من جهة اللفظ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت