فهرس الكتاب

الصفحة 583 من 828

ثُمَّ العُرفِي في كلٍ منهما ينقسم إلى عرفٍ عام وعرفٍ خاص، إذًا: اللفظ .. لا بُدَّ أن يكون اللفظ مأخوذًا في حَدِّ الاستعارة، المستعمل في غير ما وضِعَ له: احترازًا عن الحقيقة، لأن استعمال اللفظ فيما وضع له هو الحقيقة، استعمال اللفظ في غير ما وضع له هذا يُسمَّى مجازًا، والاستعارة نوعٌ من أنواع المجاز، إذًا: لا بُدَّ من التنصيص على أنها مَجاز.

اللفظ المستعمل في غير ما وضِعَ لعلاقة المشابَهة، احترزنا عن اللفظ المستعمل في غير ما وضع له لا لعلاقة المشابَهة، كالجزئية والكلية والمحلية والظرفية إلى آخره، فهذا يُسمَّى مجازًا مرسلًا.

إذا عُرِفَ حَدُّ الاستعارة حينئذٍ لا إشكال في قوله: (وَهْيَ مجازٌ لُغَةً) يعني: بأنها مَجازٌ لغوي، لأن استعمال اللفظ في غير ما وضع له، وأمَّا القول بأنها مَجازٌ عقلي نظرًا إلى التَّصرُّف والتَّصرِيف في المعنى، وتسوية معنىً بآخر، نقول: هذا وإن كان موجودًا في الاستعارة إلا أنَّ الأصل هو أنَّ اللفظ موضوعٌ لِمَا لفردٍ مُعيَّن كالأسد مثلًا في الحيوان المفترس، وادِّعاء أنَّ المُشبَّه من جنس المُشبَّه به هذا تَصرِيف عقلي لكنه لا ينفي الأصل، وهو أنه باتفاق أنَّ الأسد وضع لفردٍ واحد وهو السَّبع وهو الحيوان المفترس .. السبع المخصوص.

حينئذٍ لَمَّا اتفق أهل اللغة على أنَّ لفظ (الأسد) وضع لفردٍ واحدٍ حينئذٍ تسوية غير هذا الفرد به للجراءة أو الشجاعة لا يلزم منه أنَّ اللفظ إذا استعمل فيه لِمَا ساواه للفرع، أن يكون حقيقةً بل هو مَجاز، اتفق القولان بأنها مَجازٌ لغوي أو مَجازٌ عقلي: بأن الاستعارة مبينة على ادِّعاء أنَّ المُشبَّه من جنس المُشبَّه به.

مثلًا: رأيت أسدًا يرمي وعَنَيْتَ به زيدًا، (زيد) هو المُشبَّه، والمُشبَّه به هو الأسد، لكون زيد رجلًا شجاعًا فقد شابه الحيوان المفترس في الشجاعة، حينئذٍ إذا أردنا الاستعارة لا بُدَّ أنْ نَدَّعِيه ونَتأوَّل .. نُقدِّر، يعني: شيئًا اعتباريًا، بأنَّ زيد فردٌ من أفراد لفظ الأسد.

حينئذٍ من أجل أن يكون المجاز موضوعًا وضعًا لغويًا صار لفظ الأسد موضوعًا لفردين، يعني: معناه فردان، فردٌ مُتعارف مشهور وهو السبع المخصوص، وفردٌ مُدَّعى وهو الرجل الشجاع، حينئذٍ نقول: اللفظ له معنيان، هل بواسطة الادِّعَاء بأنَّ المُشبَّه من جنس المُشبَّه به صار إطلاق الأسد على الفرد المُلحَق المُتأوَّل هذا حقيقة؟ الجواب: لا، ولذلك منع الجمهور من القول القائل: بأنَّ الاستعارة مَجازٌ عقلي بكون هذا التَّصريف هو المُجَوِّز، وأنَّ الذي أطلق إنما هو اللفظ فقط وليس المعنى.

فإذا قيل: رأيت أسدًا يرمي، قالوا: هنا سُحِب لفظٌ مُجرَّد دون معنى، فأطلق اللفظ على الرجل الشجاع، نقول: لا، بل نُقِلَ اللفظ والمعنى كذلك، وليس مُجرَّد لفظٍ فحسب، من أجل أن يقال: بأنه استعمل فيما وضع له، حينئذٍ صار لفظ الأسد يدل على شيئين: فردٍ مُتعارَف، وفردٍ غير مُتعارَف، استعماله في الفرد المتعارف الذي هو السبع المخصوص حقيقة، استعماله في الفرد غير المُتعارَف نقول: هذا مَجاز.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت