فهرس الكتاب

الصفحة 87 من 828

إذن: لا بد من أمرين: لا تُوجد بلاغةُ الكلام إلا بوجودهما، إن وُجِد أحدُهما دون الآخر انتفت البلاغة، مطابقة الكلام لمقتضى الحال، هذا أولًا، مع فصاحته، هذا الثاني، لو طابقَ دون الفصاحة انتفت البلاغة، لو وُجدت الفصاحة دون المطابقة انتفت البلاغة.

وجَعَلوا: مَن؟ البيانيون، إذا جئتَ تفسّر أمرًا مرفوعًا تأتي به مرفوعًا، وجعلوا، أي: البيانيون، ولا تقل: أي البيانيين هذا خطأ؛ لأن المفَسِّر يطابق المفَسَّر، إذن: وجعلوا: أي البيانون، وجعلوا: جعل هنا من أي أنواع الأفعال؟ فعل ماض، وجعل: فعل ماضي، جعلوا: فعل ماضي، من يُعرب؟

وجعلوا، جعل: فعل ماضٍ مبني على الضم، هذا المشهور والصحيح أنه فتح مقدَّر، منعَ من ظهوره اشتغال المحل بحركة المناسبة، هذا هو الصواب: أن الفعل الماضي مبني مطلقًا على الفتح، سواء كان ظاهرًا أو مقدرًا:

وحكمهُ فتحُ الأخير منه كقولهم سار وبان عنه

هذا الظاهر أنه أطلقه في الشرح، نقول: نعمّم ولا نقيّد نفصّل؛ لأن بعض النحاة يرى هذا، وعليه إذا لم ينص .. إلا إذا نصّ في شرحه أنه يرى التفصيل، فنقول حينئذٍ ذَكَرَ بعض الحالات وتركَ الأخرى، وحكمُهُ إذا لم يتصّل به شيء، فَتحُ الأخيرِ منه، أما إذا اتصل به ضمير رفع متحرك فحينئذٍ يُبنى على السكون أو ضمير واو الجماعة حينئذٍ يُبنى على الضم، لكن الصواب: أنه يُقدَّر في كل حالة.

إذن: جعلوا، نقول: جعل فعل ماض مبنيٌ على الفتح المقدر، والواو فاعل، ماذا بعدها؟

بلَاغةَ: هذا مفعول به أول، أين الثاني؟ طباقه، إذن: جعلَ من باب:

انْصِبْ بفعْلِ القلْبِ جُزْأي ابْتدا أعْنِي رأى، خَالَ، علمْتُ، وَجَدا

ظَنَّ حَسِبْتُ وَزَعَمتُ مَعَ عَدْ حَجَا دَرَى وَجَعَلَ اللَّذْ كَاْعْتَقَدْ

جعل: تأتي قلبية، وجعل اللذ كاعتقد: (( وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا ) ) [الزخرف:19] جعلوا الملائكة إناثًا، أي: اعتقدوا. (( فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا ) ) [الفرقان:23] يعني: صيّرناه، تأتي بمعنى: صيّر، وتأتي بمعنى: اعتقد، وهنا صيّر أو اعتقدوا؟ كلاهما، يعني: يحتمل هذا ويحتمل ذاك، لكن لو قيل بمعنى: صيّر، يعني: صيّر البيانيّون حدَّ البلاغة بما ذُكر بأن المسألة اصطلاحية فلا بأس، فيكون الأظهر أن تُجعل: (جعل) بمعنى: صيّر، ولو قيل: بأنها بمعنى اعتقد، أيضًا لا بأس.

وجعلوا بلاغة الكلام طباقَهُ: طباق: فِعَال، وفي الأصل صاحب التلخيص قال: بلاغة الكلام مطابقته. مطابقة وطباق مصدران لـ (طابق) لـ (فاعل) الفعال والمفاعلة، إذن: طَاَبَقَ يُطاَبِق طِبَاقًا ومُطَابَقَةً، لـ (فاعل الفعال والمفاعلة) :

وشذ من رؤ كذا القتال له ... وغير ما مرّ السماع عاد له

ابن مالك قال: وغير ما مرّ السماع عادله، أخذ بيته النيساري فقال:

لفاعل الفعال والمفاعلة وشذ من رؤٌ كذا القيتال له

بالكسر والياء، إذن: طباق ومطابقة، نقول: مصدران، ما المراد بالمطابقة هنا؟ الموافقة، طباقه، أي: الكلام، أي موافقة الكلام، طباقه لمقتضى الحال .. طباقه لمقتضى المقام، صاحب الأصل قال: لمقتضى الحال، وهنا قال: لمقتضى المقام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت