فهرس الكتاب
ذهب كثير من أهل العلم الذين لا يلتزمون بمذهب من المذاهب الأربعة المتبوعة، إلى وجوب ستر الوجه عند وجود الرجال حتى في حالة الإحرام، اتباعًا منهم لمقتضى الأدلة التي ترشد إلى ذلك.
ومن هؤلاء العلماء: شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن قيم الجوزية، والصنعاني، والشوكاني، وصديق حسن خان القنَّوجي، وغيرهم رحمهم الله تعالى.
وقد أردت إفراد أقوالهم بهذا المبحث، لئلا يظن ظان أن قولنا بستر وجه المرأة من الأجانب ما هو إلا محض تقليد، دفَعَنا إليه التعصب المذهبي.
وليس خافيًا على أحد من أهل العلم أن هؤلاء العلماء الذين نستشهد بأقوالهم لم يتقيدوا بمذهب معين، بل كان لهم مواقف من المتعصبين للمذاهب، ليس هنا مجال تفصيلها.
وحسبي أنْ أُورِدَ أقوالهم التي لم تخرج عما ذهبت إليه المذاهب الأربعة من وجوب ستر وجه المرأة عن الأجانب، لنردَّ على المشوشين الذين يحاولون دفع الحقيقة بالمغالطات، والأدلة بالاحتمالات.
وهذه نبذة من كلماتهم، وباقة من تحقيقاتهم، كما جاءت في كتبهم:
المطلب الأول
قول شيخ الإسلام ابن تيمية
1 ــ قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: «قال تعالى: {قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ} الآية .. إلى قوله: {وَتُوبُوا إِلَى الله جَمِيعًا أيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور: 30، 31] .
أمر الله سبحانه الرجال والنساء بالغض من البصر، وحفظ الفرج، كما أمرهم جميعًا بالتوبة، وأمر النساء خصوصًا بالاستتار، وأن لا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن ومن استثناه الله تعالى في الآية. فما ظهر من الزينة: هو الثياب الظاهرة، فهذا لا جناح عليها في إبدائها إذا لم يكن في ذلك محذور آخر، فإن هذه لابد من إبدائها. وهذا قول ابن مسعود وغيره، وهو المشهور عن أحمد. وقال ابن عباس: الوجه واليدان من الزينة الظاهرة، وهي الرواية الثانية عن أحمد، وهو قول طائفة من العلماء كالشافعي ... وغيره.
وأمر سبحانه النساء بإرخاء الجلابيب لئلا يُعرفن ولا يؤذين. وهذا دليل على القول الأول.
وقد ذكر عَبيدة السلماني وغيره: أن نساء المؤمنين كن يدنين عليهن الجلابيب من فوق رؤوسهن حتى لا يظهر إلا عيونهن لأجل رؤية الطريق.
وثبت في الصحيح: «أن المرأة المحرمة تُنهى عن الانتقاب والقفازين» ، وهذا مما يدل على أن النقاب والقفازين كانا معروفين في النساء اللاتي لم يُحرمْن، وذلك يقتضي ستر وجوههن وأيديهن.
وقد نهى الله تعالى عما يوجب العلم بالزينة الخفية بالسمع أو غيره، فقال: {وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ} [النور: 31] ، وقال: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} [النور: 31] ، فلما نزل ذلك عمد نساء المؤمنين إلى خمرهن فشُققن، وأرخينها على أعناقهن.
و «الجيب» هو شق في طول القميص. فإذا ضربت المرأة بالخمار على الجيب سترت عنقها.