ولا يفوتَنَّكَ أن قول مجيزي كشف الوجه والكفين على الرغم من ضعفه مقيَّد بما إذا لم يكن عليهما شيء من الزينة كالحلي، والأصباغ، لعموم قوله تعالى: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ} [النور: 31] فإن كان عليهما شيء من ذلك وجب سترهما، لا سيما في هذا العصر الذي تفننت فيه النساء بأنواع الزينة وألوان الأصبغة، بحيث لا يرتاب عاقل بحرمة إظهاره أمام الأجانب عنها [1] .
قال ابن العربي المالكي رحمه الله تعالى: ( ... إن الذي يرى الوجه والكفين هي الزينة الظاهرة، يقول ذلك ما لم يكن فيها كحل أو خاتم، فإن تعلق بها الكحل والخاتم وجب سترها، وكانت من الباطنة) [2] اهـ.
وقال الشيخ محمد علي الصابوني:(الأئمة الذين قالوا بأن الوجه والكفين ليسا بعورة اشترطوا بأن لا يكون عليهما شيء من الزينة، وأن لا يكون هناك فتنة.
أما ما يضعه النساء في زماننا من الأصباغ والمساحيق في وجوههن وأكفهنَّ بقصد التجميل، ويظهرن به أمام الرجال في الطرقات، فلا شك في تحريمه عند جميع الأئمة) [3] اهـ.
وأنكر الإمام القرطبي على نساء زمانه، فذكر أن «الأسواق مشحونةٌ منهن، وقلةَ الحياء قد غلبت عليهن، حتى ترى المرأة في القيساريات قاعدةً متبرجةً بزينتها، وقال: وهذا من المنكر الفاشي في زماننا هذا. نعوذ بالله من سخطه» [4] اهـ.
وقد عدَّ العلامة ابنُ حجر الهيتمي الشافعي خروجَ المرأة متعطرةً متزينة من الكبائر فقال: «الكبيرةُ التاسعة والسبعون بعد المائتين: خروجُ المرأة من بيتها متعطرةً متزينة ولو بإذن الزوج» [5] اهـ.
ويُستأنس لذلك بما رواه رِبعيُّ بنُ حِراش، عن امرأته، عن أخت حذيفة ــ وكان له أخوات قد أدركنَ النبيَّ ^ ــ قالت: «خَطَبنَا رسولُ الله ^ فقال: يا معشر النساء! أليس لكُنَّ في الفضة ما تَحَلَّيْنَ به؟ أَما إنه ليس منكنَّ امرأة تَحلَّى ذهبًا تُظهره إلا عُذِّبت به» .
قال منصور: «فذكرتُ ذلك لمجاهد، فقال: قد أدركتُهنَّ وإنَّ إحداهنَّ لَتتخذُ لِكُمّها زِرًا تواري خاتَمها» [6] اهـ.
(1) انظر: تفسير البيضاوي (2/ 62) ، وغرائب القرآن للنيسابوري (8/ 78) .
(2) أحكام القرآن (3/ 1368 ــــ 1369) .
(3) تفسير آيات الأحكام (2/ 157) للصابوني.
(4) تفسير القرطبي (13/ 17) .
(5) الزواجر عن اقتراف الكبائر (2/ 71) طبع دار الكتب العلمية.
(6) أخرجه أحمد (5/ 398 و 6/ 357 و 358 و 369) ، وأبو داود (11/ 296 ــــ 297 عون المعبود) ، والنسائي (8/ 157) بشرح السيوطي، والدارمي (2/ 279) مختصرًا، وابن سعد في الطبقات الكبرى (8/ 326) واللفظ له. وقد جاء في سند هذا الحديث عند الدارمي وابن سعد ... « ... عن ربعيّ بن حِراش عن امرأة» بدلًا من: « ... عن امرأته» . وإليه أشار الحافظ المنذري في مختصر السنن (6/ 124 (بقوله: وفي بعض طرقه: عن ربعي، عن امرأة، عن أخت حذيفة، وكان له أخوات قد أدركْنَ النبي ^ «.
والذي أراه أن المرأة المجهولة في الأسانيد السابقة جميعها هي امرأة رِبعيّ؛ بل هذا هو المُتَيقَّن بدلالة أسانيد أحمد وأبي داود والنسائي. لهذا قال الحافظ المنذري في تهذيب السنن (6/ 124) : « ... وامرأة رِبعيّ: مجهولة. وأخت حذيفة اسمها: فاطمة، وقيل: خولة ... ثم قال: وذكرها أبو عمر النَّمَري وسماها: فاطمة» ... إلخ.