المبحث العاشر
معنى الفتنة وتعريفها
مرَّ بنا ونحن نتحدث عن ستر الوجه أن القائلين بجواز كشفه اشترطوا أمنَ الفتنة، وخُلُوَّه من أدوات الزينة.
ورغم ما في القول بجواز كشفه من ضعف، وأن ستر وجوه النساء هو الراجح الذي تشهد له الأدلة الشرعية، ويؤيده عمل الأمة من يوم أن فُرض الحجاب إلى بداية السفور؛ إلا أننا نرى ضرورة بيان معنى «الفتنة» ، ليتضح من ذلك أن استناد البعض إلى مذهب القائلين بجواز كشف الوجه غير مُسَلَّم به في هذا الزمان، نظرًا لشيوع الفتنة، وانتشار الفساد.
وقد استقر المتأخرون من علماء المذاهب الأربعة على وجوب ستره، كما تقدم بيانه. غير أن منهم من قال بوجوب الستر لذات الدليل الموجب ومنهم من قال به لوجود الفتنة نظرًا لفساد الزمن. وهذا ما حدا ببعض المحققين إلى نقل الاتفاق على لزوم ستر وجوه النساء.
ويحسُنُ بنا في هذا المقام أن نبين معنى «الفتنة» عند اللغويين، لنخلُصَ إلى معناها عند فقهاء المسلمين.
الفتنة عند اللغويين:
قال ابن منظور: «الأزهري وغيره: جِماع معنى الفتنة: الابتلاء والامتحان والاختبار، وأصلها مأخوذة من قولك: فتنتُ الفضة والذهب، إذا أذبتَهما بالنار لتميز الرديءَ من الجيد.
وفي الصحاح: إذا أدخلتَه النار لتنظر ما جودته. ودينار مفتون.
والفَتن: الإحراق.
ومن هذا قوله عز وجل: {يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ} [الذاريات: 13] ، أي يحرقون. ويسمى الصائغ: الفتَّان، وكذلك الشيطان ..
ابن الأعرابي: الفتنة: الاختبار. والفتنة: المحنة.
والفتنة: الكفر.
والفتنة: اختلاف الناس بالآراء.
والفتنة: الإحراق بالنار. وقيل: الفتنة في التأويل: الظلم ...
ويُقال: فُتنَ الرجل بالمرأة، وافتتن. وأهل الحجاز يقولون: فَتَنَتهُ المرأة: إذا ولّهتهُ وأحبها. وأهل نجد يقولون: أفتَنَتهُ.
قال أعشى هَمْدان، فجاء باللغتين:
لئن فتَنتني لَهْيَ بالأمس أفْتَنت ... سعيدًا فأمسى قد قلا كلَّ مسلم
والفتنة: إعجابك بالشيء، فَتَنَهُ يفتنهُ فتنًا وفتونًا، فهو فاتن.
وافتتن في الشيء: فُتنَ فيه. وفُتِنَ إلى النساء فتونًا، وفتِن إليهن: أراد الفجور بهن» [1] .اهـ
وجاء في «مختار الصحاح» : «وافتُتِنَ الرجلُ، وفُتنَ، فهو مفتون: إذا أصابته فتنة فذهب مالُه، أو عقلُه.
وكذا إذا اختُبر. قال تعالى: {وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا} [طه: 40] .
(1) انظر: لسان العرب، مادة «فتن» .