وقال الشيخ أحمد عبد الرحمن البنا الشهير بالساعاتي في باب: «آداب تتعلق بخروجهن وصلاتهن في المسجد» : «في أحاديث الباب النهي عن خروج المرأة من بيتها متطيبة بطيب له رائحة ظاهرة، فإن طرأ عليها ما يستدعي الخروج لضرورة وهي متطيبة، فلتبادر إلى إزالته، ولتخرج متلففة بما يستر جميع بدنها ويمنع صفته، بحيث لا يُرى منه شيء إلا ما تدعو الضرورة لكشفه، كبعض وجهها لترى الطريق» [1] اهـ.
وقال الآلوسي المفسر: «قد يحرم عليهن الخروج، بل قد يكون كبيرة كخروجهن لزيارة القبور إذا عظمت مفسدته، وخروجهن ولو إلى المسجد وقد استعطرنَ وتزيَّنَّ إذا تحققت الفتنة، أما إذا ظُنَّت فهو حرام غير كبيرة» [2] اهـ.
3 ــ وعن زينب الثقفية امرأة عبد الله بن مسعود رضي الله عنهما قالت: قال رسول الله ^: «إذا شهدت إحداكن العشاء ــ وفي رواية: المسجد ــ فلا تمس طيبًا» [3] .
قال المناوي: «إذا شهدت إحداكن العشاء» أي أرادت حضور صلاتها مع الجماعة بنحو مسجد، وفي رواية مسلم بدل «العشاء» : «المسجد. «
» فلا تَمسَّ طيبًا» من طيب النساء قبل الذهاب إلى شهودها أو معه، لأنه سبب للافتتان بها، بخلافه بعده في بيتها. وتخصيص العشاء ليس لإخراج غيرها، بل لأن تطيُّب النساء إنما يكون غالبًا في أول الليل.
قال ابن دقيق العيد: «ويلحق بالطيب ما في معناه، لأن سبب المنع ما فيه من تحريك داعية الشهوة، كحُسْنِ الملبس، والحلي الذي يظهر، والهيئة الفاخرة.
فإن قلت: فلمَ اقتصر في الحديث على الطيب؟ قلت: لأن الصورة أن الخروج ليلًا، والحليَّ، وثياب الزينة مستورة بظلمته، وليس لها ريح يظهر، فإن فُرضَ ظهوره كان كذلك.
فإن قلتَ: فلمَ نكَّر الطيب؟ قلت: ليشمل كل نوع من الأطياب التي يظهر ريحها، فإن ظهر لونه وخفي ريحه فهو كثوب الزينة. فإن فُرض أنه لا يُرى لكونها متلففة، وهي في ظلمة الليل احتمل أن لا تدخل في النهي» [4] اهـ.
فإذا كان التبخر والتعطر محرمًا على من تريد المسجد، فإنه يكون محرمًا بالأولى على من تخرج من بيتها متعطرة متبخِّرة لغيره، سيَّما تلك التي تطوف الأسواق بقَدِّها، وتختال في الطرقات بمشيتها، وتغشى الحدائق ودور الخيالة (السينما) بنفسها.
لهذا عدَّ ابن حجر المكي الهيتمي الشافعي خروجها متعطرة من الكبائر فقال: «الكبيرة التاسعة والسبعون بعد المائتين: خروج المرأة من بيتها متعطرة متزينة، حتى ولو أذنَ لها
(1) بلوغ الأماني من أسرار الفتح الرباني (5/ 205) .
(2) روح المعاني (22/ 6) ، الطبعة المنيرية، تصوير دار إحياء التراث العربي ببيروت.
(3) أخرجه أحمد بنحوه (6/ 363) ، ومسلم (2/ 33) ، والنسائي (8/ 155 بشرح السيوطي) ، وابن خزيمة (3/ 91) ، وابن أبي شيبة (9/ 26) ، والطيالسي (1/ 130 منحة المعبود) ، والحاكم (2/ 396) وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وأقره الذهبي. كما أخرجه مالك في الموطأ (1/ 198 (بلاغًا، ووصله من تقدم.
(4) فيض القدير (1/ 387 ــ 388) باختصار قليل. وانظر: إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام (1/ 168) ، وفتح الباري (2/ 350) ، وأوجز المسالك (4/ 104) .