قال ابن الأثير: «يا أَمَة الجبار» : إنما أضاف الأَمَةَ هنا إلى الجبَّار دون باقي أسماء الله تعالى، لأن الحال التي كانت عليها المرأة من الفخر والكبرياء بالطيب الذي تطيبت به، وجرِّ أذيالها، والعُجبِ بنفسها، اقتضى أن يضيف اسمها إلى اسم الجبار، تصغيرًا لشأنها، وتحقيرًا لها عند نفسها، وهذا من أحسن التعريض، وأشبهه بمواقع الخطاب» [1] اهـ.
وقال الشيخ محمد عبد الرحمن البنا الساعاتي: «إنما طلبَ منها الغسل كغُسلِ الجنابة، يعني في وجوبه، وتعميم بدنها بالماء مبالغة في إزالة ريح الطيب. والمعنى: أن الله تعالى لا يقبل من امرأة تطيَّبت لأجل المسجد صلاةً مادامت رائحة ذلك الطيب عالقة بها، فإذا كان هذا عقاب من تطيبت لأجل المسجد والصلاة، فما بالك بعقاب من تطيبت للخروج في الأسواق والمتنزهات، ولم تركع لله ركعة من الصلوات المفروضات. نسأل الله السلامة» [2] اهـ.
5 ــ وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ^: «إذا خرجت المرأة إلى المسجد فلتغتسل من الطيب كما تغتسل من الجنابة» [3] .
قال السندي ــ رحمه الله تعالى ــ: «قوله: فلتغتسل من الطيب ظاهرهُ أنها إذا أرادت الخروج إلى المسجد وهي قد استعملت الطيب في البدن، فلتغتسل منه، وتبالغ فيه كما تبالغ في غسل الجنابة، حتى يزول عنها الطيب بالكلية، ثم لْتخرج.
ومثله قوله تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِالله} [النحل: 8] ، لا أنها إذا خرجت بطيب ثم رجعت فعليها الغُسل لذلك، لكن رواية أبي داود ظاهرة في الثاني؛ فقيل: أمَرَها بذلك تشديدًا عليها، وتشنيعًا لفعلها، وتشبيهًا له بالزنا؛ وذلك لأنها هيَّجت بالتعطر شهوات الرجال، وفتحت باب عيونهم التي بمنزلة بريد الزنا، فحكم عليها بما يُحكم على الزاني من الاغتسال من الجنابة، «والله تعالى أعلم» [4] اهـ.
قلت: والوجه الأول القاضي بوجوب الغُسل عليها إذا أرادت الخروج متطيبة إلى المسجد، هو الذي ذهب إليه الحافظ ابن خزيمة في صحيحه حيث قال: «باب إيجاب الغسل على المتطيبة للخروج إلى المسجد، ونفي قبول صلاتها إن صلَّت قبل أن تغتسل» [5] اهـ.
وقد كان السلف الصالح ــ رضي الله تعالى عنهم ــ يتشددون في هذا الباب، فيزجرون المرأة إذا شمُّوا طيبها، ولا يأذنون لها ــ حينذاك ـــ بالخروج من بيتها.
* فعن إبراهيم أن عمر بن الخطاب خرج يوم عيد، فمرَّ بالنساء، فوجد ريح رأس امرأة، فقال: مَن صاحبة هذا؟ أَمَا لو عَرَفتُها لفعلتُ وفعلت. إنَّما تَطَيَّبُ المرأة لزوجها، فإذا خرجت لَبِست أُطيمرها أو أُطيمر خادمها. فتحدث النساء أنها قامت عن حَدَث» [6] يعني من شدة الخوف.
(1) جامع الأصول في أحاديث الرسول (4/ 772) .
(2) بلوغ الأماني من أسرار الفتح الرباني (5/ 200) .
(3) أخرجه النسائي (8/ 153 154) بشرح السيوطي، والبيهقي (3/ 133) ، ورجاله ثقات، وأخرج ابن أبي شيبة نحوه (9/ 26) عن أبي موسى.
(4) حاشية السندي بهامش سنن النسائي (8/ 154) .
(5) صحيح ابن خزيمة (3/ 91) .
(6) مصنف ابن أبي شيبة (9/ 25 ــ 26) .