قال ابن التين: «المراد باللعن في هذا الحديث مَن تشبَّه من الرجال بالنساء في الزِّي، ومن تشبَّه من النساء بالرجال كذلك.
قال: وإنما أَمَرَ بإخراج من تعاطى ذلك من البيوت، لئلا يفضي الأمر بالمتشبه إلى تعاطي الأمر المنكر.
وقال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة ــ نفع الله به ــ ما ملخصه: ظاهر اللفظ الزجر عن التشبه في كل ... شيء، لكن عرف من الأدلة الأخرى أن المراد التشبه في الزي وبعض الصفات والحركات، ونحوها، لا التشبه في أمور الخير.
وقال أيضا: اللعن الصادر من النبي ^ على ضربين:
ــ أحدهما: يُراد به الزجر عن الشيء الذي وقع اللعن بسببه، وهو مخوف. فإن اللعنَ من علامات الكبائر.
ــ والآخر: يقع في حال الحرج، وذلك غير مخوف، بل هو رحمة في حق من لعنه، بشرط أن لا يكون الذي لعنه مستحقًا لذلك، كما ثبت من حديث ابن عباس عند مسلم.
قال: والحكمة في لعن مَن تشبَّهَ، إخراجُه الشيء عن الصفة التي وضعها عليه أحكم الحكماء .. » [1] اهـ.
4 ــ وعن عطاء، عن رجل من هُذَيل، قال: رأيت عبد الله بن عمرو ابن العاص، ومَنزِلُه في الحِلّ، ومسجده في الحرم. قال: فبينا أنا عنده رأى أم سعيد ابنة أبي جهل متقلدة قوسًا، وهي تمشي مِشية الرجل. فقال عبد الله: مَنْ هذهِ؟ قال الهذلي: فقلتُ: هذه أم سعيد بنت أبي جهل فقال: سمعت رسول الله ^ يقول: «ليس منا مَن تشبَّه بالرجال من النساء، ولا من تشبَّه بالنساء من الرجال» [2] .
قال المناوي ــ رحمه الله تعالى ــ عند شرحه لهذا الحديث: «ليس منا مَن تشبَّه بالرجال من النساء» في اللباس، والزِّيّ، والكلام، ونحوها، «ولا من تشبَّهَ بالنساء من الرجال» أي: ليس يفعل ذلك مَن هو من أشياعنا، العاملين باتباعنا، المقتفين لشرعنا. فتشبُّه أحد النوعين بالآخر فيما ذُكر حرام، وفي كونه من الكبائر احتمال» [3] اهـ.
قال كاتب هذه السطور: ولا يبعد أن يكون من الكبائر تشبُّه النساء بالرجال، وتشبه الرجال بالنساء؛ لأن رسول الله ^ لعن من يفعل ذلك. واللعن على فعل شيء أمارة دالة على أنه من الكبائر.
وقد ذكرنا في آخر الشرط الثاني تعريفات الكبيرة عند أهل العلم، ومنها قول ابن عطية: «الكبيرة: كل ما وجب فيه حد، أو ورد فيه توعُّد بالنار، أو جاءت فيه لعنة» .
لهذا عَدَّ الحافظ الذهبي هذا التشبه من الكبائر، فقال: «الكبيرة الثالثة والثلاثون: تشبُّه النساء بالرجال، وتشبُّه الرجال بالنساء» .
(1) فتح الباري (10/ 333) باختصار يسير.
(2) أخرجه أحمد (2/ 199 ــ 200) واللفظ له. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (8/ 103) : «رواه أحمد، والهذلي لم أعرفه، وبقية رجاله ثقات. ورواه الطبراني باختصار، وأسقط الهذليّ المبهم، فعلى هذا رجال الطبراني كلهم ثقات» اهـ وذكر نحو هذا الحافظ المنذري في: «الترغيب والترهيب» (3/ 104) .
(3) فيض القدير (5/ 384) .