وبعد أن أورد الأحاديث في ذلك، قال: «فإذا لَبِستِ المرأةُ زِيَّ الرجال من المقالب، والفُرُج، والأكمام الضيقة، فقد شابهت الرجال في لبسهم، فتلحقها لعنة الله ورسوله، ولزوجها إذا أمكنها من ذلك، أي رضي به ولم ينهها؛ لأنه مأمور بتقويمها على طاعة الله، ونهيها عن المعصية، لقول الله تعالى: {قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} [التحريم: 6] ، أي: أدبوهم وعلموهم، ومروهم بطاعة الله، وانْهَوْهم عن معصية الله، كما يجب ذلك عليكم في حق أنفسكم. ولقول النبي ^: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته. الرجل راع في أهله ومسؤول عنهم يوم القيامة» [1] اهـ.
كما عَدَّ ابن حجر الهيتمي ــ رحمه الله تعالى ــ هذا التشبه من الكبائر فقال: «الكبيرة السابعة بعد المائة: تشبه الرجال بالنساء، فيما يختصِصْنَ به عرفًا غالبًا، من لباس، أو كلام، أو حركة، أو نحوها، وعكسه» .
وبعد أن أورد أحاديث متعددة في هذا الموضوع قال: «عَدُّ هذا من الكبائر واضح، لما عرفت من هذه الأحاديث الصحيحة، وما فيها من الوعيد الشديد، والذي رأيته لأئمتنا أن ذلك التشبه فيه قولان:
أحدهما: أنه حرام، وصححه النووي، بل صَوَّبه.
وثانيهما: أنه مكروه، وصححه الرافعي في موضع.
والصحيح، بل الصواب ما قاله النووي من الحرمة، بل ماقدمته من أن ذلك كبيرة، ثم رأيتُ بعض المتكلمين على الكبائر عَدَّه منها، وهو ظاهر ..
ويجب على الزوج أن يمنع زوجته مما تقع فيه من التشبه بالرجال، في مِشيةٍ أو لِبسةٍ، أو غيرها، خوفًا عليها من اللعنة، بل وعليه أيضًا، فإنه إذا أقرها أصابه ما أصابها وامتثالًا لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} [التحريم: 6] . أي: بتعليمهم، وتأديبهم، وأمرهم بطاعة ربهم ونهيهم عن معصيته.
ولقول نبيه ^: «كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته. الرجل راعٍ في أهله وهو مسؤول عنهم يوم القيامة» . وفي الحديث: «إن هلاك الرجال طاعتهم لنسائهم» ، ومن ثمَّ قال الحسن: «والله ما أصبح اليوم رجل يطيع امرأته فيما تهوى إلا كبَّهُ الله في النار» [2] اهـ.
وطاعة الرجال للنساء التي نهى الرسول ^ عنها، وحذّر منها، هي الطاعة فيما يُسخط الله عز وجل. أما إذا أشارت المرأة على زوجها بفعل الخيرات، وحَذَّرَته من السيئات، فلْيُطِعْها في ذلك، ونعمت الطاعة تلك بل وهنيئًا له بتلك المرأة الصالحة التي إن نسيَ ذكَّرتهُ، وإن ذكر أعانته.
وقال الشيخ محمود خطاب السبكي: قال النووي في المجموع: «المشهور في المذهب أنه يحرم على الرجل أن يتشبَّه بالمرأة في اللباس وغيره، ويحرم على المرأة أن تتشبه بالرجل في ذلك. وقد رَدَدْنا دعوى من قال: إنه مكروه وليس بحرام.
ومما يدل على التحريم حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: «لعن رسول الله ^ المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال» . رواه البخاري.
(1) الكبائر (ص / 134) .
(2) الزواجر عن اقتراف الكبائر (1/ 155 ــ 156) .