فهرس الكتاب

الصفحة 190 من 297

وقال الشيخ منصور بن يوسف بن إدريس البهوتي: «ويُكره جعل صورة الصليب في الثوب، ونحوه، كالطاقية، والدراهم، والدنانير، والخواتيم، وغيرها، لقول عائشة: «إن الرسول ^ كان لا يترك في بيته شيئًا فيه تصليب إلا قَضَبَه» . رواه أبو داود. قال في الإنصاف: ويحتمل تحريمه، وهو ظاهر نقل صالح. قلت: وهو الصواب» [1] اهـ.

قال راقم هذه السطور ــ عفا الله عنه ــ: ويؤيد ما صوَّبه صاحب «الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف» ، ونقله عنه: «البهوتي» مرتضيًا له دون تعقيب، ما تقدم عن النبي ^ أنه ما كان يترك شيئا فيه تصليب إلا كسره أو أزال صورته. وهذا دليل على شدة إنكاره له، ولا يكون ذلك منه إلا على ما كان حرامًا، أو ما كان قريبا منه ككراهة التحريم التي يقول بها الحنفية.

فإذا قرأتِ ــ أيتها الأخت المسلمة ــ كراهةَ مثل هذه الحالة فاعلمي أنها: «كراهة التحريم» . وهذه الكراهة تترتب عليها المؤاخذة، فاحذريها فقد تساهل فيها كثير من الناس.

وقد عَدَل كثير من السلف الصالح ــ رضي الله عنهم ــ في كثير من الأحكام عن لفظ «الحرام» إلى ... «الكراهة» التي يريدون بها الحرام، أو ما هو قريب منه لورود النهي بدليل ظني غير قطعي، لا لكَوْنِ المنهي عنه جائز الفعل.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: «والكراهية في كلام السلف كثيرًا وغالبًا يُراد بها التحريم» [2] اهـ.

وقد سار على هذا الاصطلاح: الإمام أبو حنيفة وتلامذته ــ رحمهم الله تعالى ــ. وتميز مذهب الحنفية بتقسيم الكراهة إلى: «كراهة تنزيهية» و «كراهة تحريمية» كما هو منصوص عليه في أصولهم.

فقد جاء في «البناية» مع «الهداية» : «تكلموا في معنى الكراهية: فقيل: ما يكون تركه أولى من تحصيله، وقيل: ما يكون الأَوْلى أن لا يفعله.

والمروي عن محمد ــ رحمه الله ــ نصًا أن كلَّ مكروه: حرام. إلا أنه لمّا لم يجد فيه نصًا قاطعًا لم يطلق عليه لفظ الحرام.

والحاصل: أنهم اختلفوا في مراد محمد ــ رحمه الله ــ من المكروه.

فقالوا: كل مكروه: حرام. كذلك روي عن محمد ــ رحمه الله ــ نصًا، إلا إذا وجد نصًا: ثبت القول في المنصوص بالتحريم والتحليل. وفي غير المنصوص بقوله في الحل: لا بأس. وفي الحرمة: مكروه.

وعن أبي حنيفة ــ رحمه الله ــ وأبي يوسف ــ رحمه الله ــ أنه إلى الحرام أقرب. قال تاج الشريعة ... ــ رحمه الله ــ: هذه رواية شاذة، لأنه ذكر في المبسوط أن أبا يوسف ــ رحمه الله ــ قال لأبي حنيفة: إذا قلتَ في شيء أكرهه، فما رأيك فيه؟ قال: التحريم.

وفي المحيط: لفظ الكراهية عند الإطلاق يراد بها: التحريم.

(1) كشاف القناع (1/ 326) .

(2) مجموع فتاوى ابن تيمية (32/ 241) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت