وقد ترجم البخاري ــ رحمه الله تعالى ــ لهذا الحديث في كتاب البيوع فقال: «باب التجارة فيما يكره لبسه للرجال والنساء» . وقال الحافظ ابن حجر في شرحه: «والثوب الذي فيه الصورة يشترك في المنع منه الرجال والنساء، فهو مطابق للترجمة من هذه الحيثية» [1] اهـ.
قال النووي ــ رحمه الله تعالى ــ: «أما اتخاذ المصوَّر فيه صورةَ حيوان، فإن كان معلقًا على حائط، أو ثوبًا ملبوسًا، أو عمامة، ونحو ذلك، مما لا يُعَدُّ ممتهنًا فهو حرام. وإن كان في بساط يُداس، ومخذة، ووسادة، ونحوها ممايمتهن فليس بحرام. ولا فرق في هذا كله بين ماله ظل، وما لا ظل له.
هذا تلخيص مذهبنا في المسألة، وبمعناه قال جماهير العلماء: من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم، وهو مذهب الثوري، ومالك، وأبي حنيفة، وغيرهم.
وقال بعض السلف: إنما ينهى عما كان له ظل، ولا بأس بالصورة التي ليس لها ظل، وهذا مذهب باطل. فإن الستر الذي أنكر النبي ^ الصورة فيه لا يشك أحد أنه مذموم، وليس لصورته ظل، مع باقي الأحاديث المطلقة في كل صورة.
وقال الزهري: النهي في الصورة على العموم، وكذلك استعمال ماهي فيه، ودخول البيت الذي هي فيه، سواء كانت رقمًا في ثوب، أو غير رقم وسواء كانت في حائط، أو ثوب، أو بساط ممتهن، أو غير ممتهن، عملًا بظاهر الأحاديث، لا سيما حديث النُّمْرُقة الذي ذكره مسلم، وهذا مذهب قوي.
وقال آخرون: يجوز منها ما كان رقمًا في ثوب سواء امتُهن أم لا، وسواء عُلِّقَ أم لا. وكرهوا ما كان له ظل، أو كان مُصَوَّرًا في الحيطان وشبهها، سواء كان رقمًا أو غيره، واحتجوا بقوله في بعض أحاديث الباب: «إلا ما كان رقمًا في ثوب» وهذا مذهب القاسم بن محمد.
وأجمعوا على منع ما كان له ظل، ووجوب تغييره. قال القاضي: إلا ما ورد في اللَّعِبِ بالبنات [2] ، والرخصة في ذلك. لكن كره مالك شراء الرجل ذلك لابنته، وادَّعى بعضهم أن إباحة اللَّعب لهن بالبنات منسوخ بهذه الأحاديث، والله أعلم» [3] اهـ.
وقد تعقَّبَ الحافظُ ابن حجر الإمامَ النووي في بعض ما ساقه. قال: وفيما نقله مؤاخذات:
ــ منها: أن ابن العربي من المالكية نقل أن الصورة إذا كان لها ظل حَرُمَ بالإجماع، سواء كانت مما يمتهن أم لا، وهذا الإجماع محله في غير لُعَبِ البنات، وصحَّحَ ابن العربي أن الصورة التي لا ظل لها إذا بقيت على هيئتها حَرُمَت، سواء كانت مما يمتهن أم لا، وإن قطع رأسها أوفرقت هيئتها جاز وهذا المذهب منقول عن الزهري، وقوَّاه النووي، وقد يشهد له حديث النُّمْرُقة.
ــ ومنها: أن إمام الحرمين نقل وجهًا أن الذي يُرَخَّصُ فيه مما لا ظل له، ما كان على ستر، أو وسادة؛ وأما ما على الجدار والسقف فيُمنع.
(1) فتح الباري (4/ 325) .
(2) أي «الدُّمى» ، مفردها «دُمية» ، ويقصد بها هنا ما يُتخذ على صورة البنات.
(3) شرح صحيح مسلم (14/ 81 ــ 82) للنووي.