فهرس الكتاب

الصفحة 197 من 297

فأنت ترى من هذه النصوص المتعددة، المنقولة عن كتب الحنابلة، أن لُبسَ ثوب فيه صورة ذي روح، سواء كانت لإنسان أو حيوان: مُحرَّمٌ عند أكثرهم وصرَّح «المرداوي» في كتابه القيِّم: «الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف» بأنه هو المذهب، وصححه في التصحيح، وجزم به في الهداية ... إلى آخر كلامه الذي تقدم آنفًا، ومكروه عند آخرين. وهذا الوجه غير مُعَوَّل عليه عندهم، بدليل أن التحريم هو المذهب، كما حكاه المرداوي، ولهذا فإن بعض فقهاء الحنابلة حكى التحريم فقط دون أن يُعرِّج على الكراهة.

ولم يقل أحد منهم بجواز الصورة في الثوب إلا إذا أُزيل منها ما لا تبقى الحياة معه. وماحكاه الحافظ ابن حجر عنهم لا يعدو أن يكون من الأقوال التي لا يُعوَّل عليها، ولا يُلتفتُ إليها، ولا يخفى أنه خلاف المقرر في مذهبهم كما سبق نقله، فتنبهْ لذاك، والله يتولانا وإياك.

أما مذهب الحنفية فإنه صريح بأن لبس ثوب فيه تصاوير مكروه كراهة تحريمية، بل هو حرام. فقد نقل ابن عابدين رحمه الله تعالى في حاشيته عن البحر قوله: «وفي الخلاصة: وتكره التصاوير على الثوب، صلى فيه أو لا. انتهى. وهذه الكراهة تحريمية. وظاهر كلام النووي في شرح مسلم الإجماع على تحريم تصوير الحيوان، وقال: سواء صنعه لما يُمتهن أو لغيره، فصنعتُه حرام بكل حال، لأن فيه مضاهاة لخلق الله تعالى، وسواء كان في ثوب، أو بساط، أو درهم، وإناء، وحائط، وغيرها انتهى. ــ أي كلام الإمام النووي ــ. ثم قال ابن عابدين: فينبغي أن يكون حرامًا لا مكروهًا إن ثبت الإجماع أو قطعية الدليل بتواتره. انتهى كلام البحر ملخصًا» [1] اهـ.

أما لُبسُ ثوب فيه صورةُ غير ذي روح، كشجر، وبناء، ونحو ذلك من الجمادات فإنه جائز بالاتفاق. يدل على ذلك ما ورد عن سعيد بن أبي الحسن، قال: «جاء رجل إلى ابن عباس فقال: إني رجل أُصَوِّرُ هذه الصور فأفتني فيها، فقال له: ادنُ مني، فدنا منه، ثم قال: ادن مني، فدنا حتى وضع يده على رأسه، قال: أنبئك بما سمعت من رسول الله ^، سمعت رسول الله ^ يقول: «كل مصوِّر في النار، يُجعلُ له بكل صورةٍ صَوَّرها نفسًا، فتعذبه في جهنم. وقال: إن كنتَ لابُدَّ فاعلًا فاصنع الشجر، وما لا نفس له» [2] .

قال الحافظ ابن حجر: «وقد قَيَّد مجاهد صاحبُ ابن عباس جوازَ تصوير الشجر بما لا يثمر. وأما ما يثمر فألحقه بما لَهُ روح. قال عياض: لم يَقُله أحد غير مجاهد» [3] .

وقال الشوكاني في شرحه للحديث السابق: «فيه الإذن بتصوير الشجر وكل ما ليس له نفس، وهو يدل على اختصاص التحريم بتصوير الحيوانات

قال في البحر: ولا يكره تصوير الشجر، ونحوها من الجماد إجماعًا» [4] اهـ.

قلت: وإذا جاز تصوير ما لا روح له، جاز لُبسُ الثوب الذي رُقمت عليه تلك الصورة بالأَوْلى، لكن محل ذلك الثياب التي تبدو بها المرأة أمام زوجها، ومحارمها، والنساء، لا

(1) حاشية ابن عابدين (1/ 435) .

(2) أخرجه أحمد (1/ 308) ، والبخاري (4/ 416 فتح الباري) ، ومسلم (14/ 93 بشرح النووي) .

(3) فتح الباري (10/ 395) ، وانظر: شرح صحيح مسلم للنووي (14/ 91) .

(4) نيل الأوطار (2/ 105) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت