الأخير يتلو على الإمام بعض فصول من كتابه عن تحرير المرأة فكان يوافق على ما فيها. وقيل: إن بعض فقرات هذا الكتاب تنمُّ عن أسلوب الشيخ «محمد عبده» نفسه».
وهذا «التقسيم للعمل» الذي تشير إليه «د. درية شفيق» بين «محمد عبده» و «قاسم أمين» ، حيث تناول الأول القضية من الناحية الدينية، بينما اختص الثاني بالناحية الاجتماعية .. هذا الأمر على جانب كبير من الأهمية، فعلاوة على كونه الأمر الطبيعي المتفق مع ثقافة كل منهما وتخصصه، فإننا نجد الكتاب ــ «تحرير المرأة» ــ يحدد لنفسه هدفين عندما يقول: « .. تبين للقارئ مما سبق أن ما يريد إدخاله من الإصلاح في حالة النساء ينقسم إلى قسمين:
قسم: يختص بالعادات، وطرق المعاملة والتربية ..
والقسم الثاني: يتعلق بدعوة أهل النظر في الشريعة الإسلامية والعارفين بأحكامها إلى مراعاة حاجات الأمة الإسلامية وضرورتها فيما يختص بالنساء».
والدارس للكتاب في ضوء هذه المؤشرات يرى أن الفصول التي كتبت فيه عن «الحجاب الشرعي» ... و «الزواج» و «تعدد الزوجات» و «الطلاق» هي بحوث فقهية لا يمكن أن يكتبها إلا إمام مجتهد في الإسلام، وليس في ذلك العصر من كان يستطيع ذلك سوى الأستاذ الإمام بينما بقية فصول الكتاب هي أقرب إلى ثقافة قاسم أمين الاجتماعية، وأسلوبه في تناول القضايا والأمور .. وسيأتي تفصيل هذه القضية الهامة بعد قليل.
ومن القرائن الدالة على أن الأبحاث التي تناولت هذه القضية، من الناحية الدينية في الكتاب هي من إنشاء الأستاذ الإمام، ما نجده من التطابق في الأفكار بين ما جاء في «تحرير المرأة» وما كتبه «الشيخ محمد عبده» في «الوقائع المصرية» قديمًا، وقبل الثورة العرابية، وبالذات في شهر ... مارس / آذار سنة «1881» م .. ففي العدد «1055» من «الوقائع» الصادر في 7 مارس / آذار سنة «1881» م نجد له مقالًا عنوانه: «حاجة الإنسان إلى الزواج» يتحدث فيه عن «أن سعادة الإنسان في معيشته، بل صيانة وجوده في هذه الدار موقوفة على تقييد تلك الشهوة «الجنسية» بقانون يضبط استعمالها، ويضرب لها حدودًا يقف كل شخص عندها، وتوجب الاختصاص بين الزوج والزوجة».
وفي العدد التالي لذلك مباشرة يتحدث تحت عنوان: «حكم الشريعة في تعدد الزوجات» .. يتحدث عن وجوب العدل بين الزوجات عند التعدد والزواج بأكثر من واحدة، «وإلا فلا يجوز الاقتران بغير واحدة» .. كما يتحدث عن أن الواقع المشاهد يقطع بعجز الإنسان عن تحقيق العدل المطلوب، ويصل إلى المعاني التي نراها شديدة التحديد، كثيرة الورود في الفصول التي كتبت في «تحرير المرأة» حول هذا الموضوع .. والذين يقرؤون هذه المقالات، ثم يقارنون بينها وبين مثيلاتها في صفحات الكتاب يعلمون قدر هذه «القرينة» في الدلالة على دور الأستاذ الإمام في إنشاء بعض فصول هذا الكتاب.
وقرينة أخرى تتمثل في رأي الأستاذ الإمام في اشتغال الأميرة «نازلي هانم فاضل» بأمور السياسة، فهو يرى ذلك من عيوبها وأخطائها .. فيقول في حديث مع الشيخ «رشيد رضا» في سنة «18 7» م: إن ... «هذه الأميرة قادرة على تأسيس عمل يفيد البنات، فإن مَنْ حولها من الأميرات ينفقن نفقات كبيرة إسرافًا وتبذيرًا، ولو أنها حملتهن وأمثالهن من النساء الغنيات على إنشاء مدرسة لتربية البنات وتعليمهن، واستحضرت لهن معلمات من الأستانة