أو سورية لكان خير عمل تعمله، وما كنَّ ليخالفنها، فإذا لم يأتِ بالفائدة المطلوبة كان غرسًا أو بذرًا تجني ثمرته ولَوْ بعد حين» [1] ... .
هذه القضية التي يثيرها الإمام قبل صدور كتاب «تحرير المرأة» بسنوات هي التي نجدها في الكتاب محورًا تعلق عليه الآمال في تنفيذ ما أشار به الكتاب من الإصلاح، وذلك عندما يتحدث الكتاب عن أنَّ «أحسن طريقة لتنفيذ ما عرضناه في هذا الكتاب هي أن تؤسس جمعية تتولى التعليم والتهذيب والتحرير للنساء المصريات» .
* ومن القرائن الدالة أيضًا في هذا الباب: موقف الأستاذ الإمام من الكتاب بعد صدوره، فلقد أيده ودافع عنه بطريقة غير مباشرة، وامتنع عن التعليق عليه أو المشاركة بشكل مباشر في المعارك التي دارت من حوله، وبالذات عندما أراد خصومه إحراجه، وطلبوا منه أن يفتي ــ بحكم منصبه الرسمي ــ في الموضوع ..
أما دفاعه ــ غير المباشر ــ عن الكتاب فيتمثل في وقوف الشيخ «رشيد رضا» ، ومجلة «المنار» إلى جانب الكتاب، فلقد تناولت المنار الكتاب بالمدح والتقريظ أكثر من مرة، واعتبرته مع «رسالة التوحيد» للأستاذ الإمام و «سر تقدم الإنجليز السكسونيين» الذي ترجمه «فتحي زغلول» «أهم الأعمال الفكرية في ذلك العصر» [2] ... .
ولقد أراد خصوم الشيخ «محمد عبده» إحراجه يومئذٍ فطلبوا منه أن يصدر فتوى في هذا الموضوع. وعندما صدر كتاب «قاسم أمين» : «المرأة الجديدة» بعد عام من صدور «تحرير المرأة» طبع خصوم الإمام سؤالا موجهًا إليه باسم أحد المواطنين ــ محمد أفندي عبده البابلي ــ يسأل فيه «هل رفع الحجاب عن المرأة، وإطلاقها في سبيل حريتها بالطريقة التي يريدها صاحب كتاب «المرأة الجديدة» يسمح به الشرع أم لا؟؟».
وإمعانًا في الإحراج والاستفزاز طبعوا هذا السؤال ووزعوه على الجمهور في صورة كتاب مفتوح إلى المفتي .. بل وطبعوا «استلفاتًا إلى هذا الكتاب المفتوح» .. ووزعوه كذلك على الجمهور ..
ولكن الأستاذ الإمام ظل ملازمًا للصمت إزاء هذه القضية التي كانت الشغل الشاغل للناس في ذلك الحين ..
وتقدمت «المنار» للدفاع عن هذا الصمت، وساقت لتبريره عددًا من الأدلة لا أراها إلا قرائن على العلاقة الإيجابية بين الأستاذ الإمام وهذا الكتاب ..
فهي تقول في الاعتذار عن عدم إجابة الأستاذ الإمام على هذا السؤال:
1 ــ إن الاستفتاء جاء على خلاف المعهود، بأن وزع على الجمهور.
2 ــ إن الجواب عليه يستلزم قراءة الكتاب، في حين أن المفتي مثقل بالأعمال!!
3 ــ إن الفتوى لا يفهمها الناس إلا إذا قرؤوا الكتاب، وهو ما يؤدي إلى نشر ضرره إذا كان ضارًا!!
(1) د. إبراهيم عبده، د. درية شفيق «تطور النهضة النسائية في مصر» ص / 252، 274، 275. طبعة القاهرة سنة 1945 م.
(2) المنار» عدد أول يوليو / تموز، وعدد 15 يوليو / تموز، وعدد 26 أغسطس سنة 1899 م