وبعد هذا الكفر الصُّراح الذي يحمل في طياته اتهام الله سبحانه وتعالى بالظلم [1] ... ، راح يعدد مضارَّ الحجاب، لأنه ــ في زعمه ــ سبب من أسباب الجهل، ويعزو عدم اكتشاف المسلمين اليوم لأمرٍ جديد إلى حجاب النساء ويدعو إلى كسر سلاسل العادات، ورفع الحجاب، وختم مقاله بقوله: وليس ذلك بثقيل إذا أتوه من باب الحكمة، فأشاعوا مضاره، ورفعوه تدريجيًا، وإلّا دارت عليهم الدائرة، وانحط المجتمع فلم يقدر أن يزاحم الغربيين المشمرين للسعي في طريق الارتقاء. ثم أنشد:
أَخَّرَ المسلمين عن أمم الأر ... ضِ حجابٌ تشقى به المسلمات
اهـ. بتصرف واختصار ... [2]
وعلى إثر ذلك قامت في بغداد مظاهرة كبيرة، احتجاجًا على ما جاء في كلامه من كفر صُراح، وشاع لعنه على ألسنة الناس، فلم يسع الوالي «ناظم باشا» غير عزله من وظيفته في مدرسة الحقوق ببغداد، فقبع في داره أسبوعًا لم يخرج منها خوفًا من اغتيال الشعب له.
ثم انبرى للرد عليه في بغداد الشيخ «سعيد النقشبندي» في رسالة سمَّاها: «السيف البارق في عنق المارق» .
كما ردَّ عليه في مصر «محمد حمدي النشار» في كتابه: «المرأة في الإسلام والسفور» .
لكنَّ «الزهاوي» لم يقف عند ذلك الحد؛ بل نظم قصيدة قال فيها:
اسفري فالحجاب يا ابنة فهر ... هو داء في الاجتماع وخيم
واعتبر حجب النساء غيًا، فقال في قصيدة له بعنوان «ابنة يعرب» :
القوم يا ابنة يعربٍ ... من جهلهم وأدوكِ وأدا
حجبوكِ عن أبناءِ نو ... عِكِ حاسبين الغيَّ رشدا
ثم ازدادت شِرَّةُ ثورته، وَقَحَةُ جراءته في قصيدته التي أعلن فيها حربه على الحجاب، وتحريضه على السفور الذي اعتبره عنوان الطهر والعفاف، فقال:
مزقي يا ابنة العراق الحجابا ... واسفري فالحياة تبغي انقلابا
مزقية وأحرقيه بلا رَيْـ ... ـــثٍ فقد كان حارسًا كذابا
زعموا أَنَّ في السفور سقوطًا ... في المهاوي وأَنَّ فيه خرابا
كذبوا فالسفور عنوان طهرٍ ... ليس يلقى مَعَرَّةً وارتيابا
وحين اطلع العلماء على هذا الشعر الذي نَعَتَ فيه الحجاب بالحارس الكذاب، وصموه بالزندقة، ونعتوه بالإلحاد [3] . ولهذا قال فيه شيخ الإسلام «مصطفى صبري» رحمه الله تعالى: «وإلحاد جميل: معروف، أكثر من معروف» [4] . اهـ
(1) تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا. إنه القائل في كتابه: {وما ربك بظلام للعبيد} [فصلت: 46] .
(2) من مقال للزهاوي بعنوان: «المرأة والدفاع عنها» ، نُشر في صحيفة «المؤيد» بعددها رقم ... (6138) الصادر في 2 / شعبان / 1328 هـ الموافق 7 / آب ــــ أغسطس / 1910 م. انظره إن شئت في كتاب: الزهاوي دراسات ونصوص (ص / 112 ــــ 117) للرشودي.
(3) الزندقة» عند جمهور الفقهاء: إظهار الإسلام وإبطان الكفر.
فالزنديق: هو من يُظهر الإسلام ويبطن الكفر. قال الدسوقي في حاشيته على الشرح الكبير (4/ 306 (: «وهو المسمى في الصدر الأول منافقًا، ويسميه الفقهاء زنديقًا» .
و «الإلحاد» هو المَيل. قال ابن عابدين في حاشيته (3/ 296 (على الدر المختار: «الملحد: هو من مال عن الشرع القويم إلى جهة من جهات الكفر» . اهـ.
(4) موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين وعباده المرسلين (1/ 290 ــــ 291) .