أي إلحاد «جميل صدقي الزهاوي» معروفٌ أكثرَ من إلحاد «معروف الرصافي» [1] ... .
ولعل من المفيد أن نستعرض عقيدة هذا الرجل، لتدرك المرأة المسلمة طبيعة المنهل الذي صدرت عنه آراؤه في الحجاب، وحقيقة هذا المتباكي عليها ..
لقد كانت أطوار حياة «الزهاوي» مزيجًا من الحيرة، والشك، وإنكار البعث؛ بل وإنكار وجود الخالق عز وجل.
نظم ديوانًا كاملًا أطلق عليه: «نزغات الشيطان» ، أفرغ فيه ما في جَعبته من إلحاد، ونفسه من زندقه، وعقله من شكوك. وليعذرني القارئ لإيراد واحدٍ من أبيات ديوانه، لأدلل على مدى ما وصل إليه هذا الشاعر من حيرة وشك، وزندقة وإلحاد ... وناقل الكفر ليس بكافر. قال، وبئس ما قال:
توقفت لا أدري تجاه الحقائق ... أَأَني خَلقتُ الله أم هو خالقي
تعالى الله عما يقول الكافرون والأفاكون علوًا كبيرا، {أَمْ جَعَلُوا لله شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ الله خَالِقُ كُلِّ شَيء وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [الرعد: 16] .
وتصل به نزغات شيطانه إلى جرأة على الله لم يصل إليها «إبليس» رأسُ الكفر والغواية. وأستميح القارئ عذرًا لعدم إيراد أبياته في ذلك، وتكفي هذه الإشارة للدلالة على قبح ما قال، وسوء ما نظم .. لكنْ من لم يكن في قلبه خشيةُ ذي الجلال والإكرام، فلن يكون على فمه خطام ولا زمام ..
اللهم اجعلنا ممن قلتَ فيهم: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} [الرحمن: 46] .
ويصرح «الزهاوي» بحيرته التي ألقت به في ممر الشكوك والأوهام، فيقول:
حيرة في الحياة قد صدفتني ... عن بلوغي من الحياة مرامي
وقضت أنني أطيل وقوفًا ... في ممر الشكوك والأوهام
وقد بقي على ذلك أسير الحيرة والشك، لا يستطيع أن يستقر على أمر إلى أن نشر قبيل موته قصيدة له بعنوان: «الشك لا يهدي» قال فيها:
رأيت الهدى في الشك والشكُّ لا يهدي ... كأنيَ بالظلماء قد كنت أستهدي
فطورًا أقول الروح كالجسم هالك ... وطورًا أقول الهُلك عنه على بُعدِ
فيالك من شكٍ يُبَرّحُ بي ولا ... يبارحني حتى أُوسَّدَ في لحدي
وإنيَ لا أدري أرشدي كان في ... ضلاليَ هذا أم ضلاليَ في رشدي
أأفقد جسمي وحده عند ميتتي ... أم الروح مثل الجسم يشمله فقدي
أرُوحٌ وجسمٌ أم هو الجسم وحده ... يحركني فيما يضلل أو يهدي
(1) أفردنا للحديث عن «معروف الرصافي» المبحث التالي لهذا البحث، فانظره حتى ترى أنه والزهاوي من مدرسة تغريب وإلحاد واحدة ..