وكان «الزهاوي» إضافة لما سبق يؤمن بوحدة الوجود، وقد صرَّح بها في كتابه: «الكائنات» .
أما صوفيته التي يتغنى بها فهي: «الحلول والاتحاد» ، واعترف بذلك في إحدى رسائله التي بعث بها إلى الأستاذ «أحمد محمد عيش» ، حيث قال «وصوفيتي التي أتغنى بها هي أنَّ الله في الطبيعة، والطبيعة في الله ... والجانب البارز العام في حياتي هو تمردي على كل قديم ضار:
سئمتُ كل قديمٍ ... عرفتُه في حياتي
إن كان عندك شيءٌ ... من الجديد فهاتِ»
كما كان يؤمن بمذهب «دارون» في النشوء والارتقاء، وصرَّحَ بذلك قائلًا: «والمذهب القويُّ في رأيي هو مذهب دارون في النشوء والارتقاء، وقد تبعتُه ولم يتبعه في العراق أحد قبلي، وقد شاع فيه ... بسببي» [1] ... .
وكثيرًا ما ردد نظريته في شعره، وكان يلقيها إلقاء الواثق المعتنق لها، ونظم في ذلك قصيدته «سليل القرد» التي نشرتها له مجلة «الرسالة» سنة 1 36 قبل وفاته بقليل.
ومما قال فيها:
وُلِدَ القردُ قبل مليون عام ... بشرًا فارتقى قليلًا قليلا
أيُّ شيء أَلَمَّ بالقرد حتى ... هجر الغابَ نجلُه والقبيلا
وعلى رجليه مشى بعد أن سا ... رَ على أربع زمانًا طويلا
ياله من تطور حوَّل القر ... د لإنسان يحسن التخييلا
ويؤكد تلك النظرية في قصيدة أخرى، ويرد الحياة كلها إلى الكهرباء، فهي ــ في زعمه ــ التي نفخت الوجود في الخلايا الأولى، ومنها قبست الكائنات الحية حياتها وبقاءها، فيقول:
كل ظني أن الحياة على الأرضِ ... بَدت من تفاعل الكيمياء
وهي ليست في كل ذلك إلا ... مظهرًا من مظاهر الكهرباء
ولَّد الكهرباء في الأرض أحيا ... ء بدت قبل البر في الدأماء
ثم إن الحيوان بعد دهور ... صار إنسانَ ماشيًا باستواء
وقضت سنة الوراثة فيه ... أن تكون الأبناء كالآباءِ
لقد لجَّ «الزهاوي» في إلحاده، وأوغل في زندقته، وكفر بالله تعالى القائل في كتابه: الله الَّذِي خَلَقَ السَّمَـ ـوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ * يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ * ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيء خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ * ثُمَّ سَوَّاهُ
(1) نقول: لقد باء بإثمه وإثم من تبعه مصداقًا لقول رسول الله ^: «من سنّ في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينقص من أوزارهم شيء» . أخرجه مسلم (3/ 86 ــــ 87) وغيره .. لقد مضى «الزهاوي» إلى ربه ... {ووجدوا ما عملوا حاضرًا ولا يظلم ربك أحدًا} [الكهف: 49] .