فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ * ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِأً وَهُوَ حَسِيرٌ) (الملك: 3 - 4) .
صفات أُخرى: ما ذكرناه من دلالة الخلق على بعض صفات خالقه أردنا به التمثيل، لا الحصر والاستقصاء، وهو تمثيل يفتح الباب للاستدلال والبحث، وإلا ففي الكون الكثير من الآيات الدالة على عظمة الله وعزته ولطفه، واستمع إلى الصفات الإلهية التي ذكرها الله في ختام كلّ آية من الآيات التالية (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ * لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ * أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاء أَن تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) (الحج: 63 - 65) .
الهداية التي يجلبها النظر والتفكر في الآيات الكونية توجه إلى عبادة الله وحده، فالله وحده هو الخالق المدبر المقيم للسماوات والأرض الرازق المحيي المميت ... ؛ لذلك فهو المستحق للعبادة دون سواه:
قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاء بِنَاء وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُوا لِلّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) (البقرة: 21 - 22) .
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ) (فاطر: 3) .
وبهذا الطريق أثبت القرآن بطلان الآلهة المدعاة وعدم استحقاقها شيئًا من العبادة
قال تعالى: (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ ٍ * هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) (لقمان: 10 - 11) .
ولذلك فإنّه يذكّر خلقه بالآيات الكونية وتصريفه الأمور وتدبيره الشؤون ثم يعقب على ذلك في كثير من آي القرآن بقوله: (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ) (الزمر: 6) أي ذلكم الإله الذي يستحق العبادة دون سواه، فلا إله غيره ولامعبود بحق سواه.
إن غاية إرسال الرسل: طاعتهم فيما يأمرون وينهون، وليست هذه الطاعة بطلب منهم، بل بأمر الله تعالى، حيث قال: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّهِ) (النساء: 64) فيها إثبات عصمة الرسل لأن الله تعالى أمر بطاعتهم مطلقا، فمن آمن بالرسول ولم يقتد به، فقد جهل غاية الرسالة.
... وإذا كان الأمر كذلك، فنبينا صلى الله عليه وسلم أولى بهذه الطاعة من غيره من