فهرس الكتاب

الصفحة 80 من 198

كلمة"حرث"لتشبيه النساء به دون غيرها من المترادفات، وفى اختيار هذه الكلمة دون سواها لطف الكناية في ذلك التشابه بين صلة الزارع بحرثه، وصلة الزوج بزوجه في هذا المجال الخاص، وبين ذلك النبت الذى يخرجه الحرث، وذلك النبت الذى تخرجه الزوج ومافى كليهما من تكثير وعمران وفلاح.

هذه اللطائف لاتستفاد من أى كلمة مرادفة، وبذلك تلاحظ أن القرآن الكريم يتناول من الكلمات المترادفة أدقها دلالة على المعنى وأتمها تصويرا وتشخيصا للصورة وأجملها وأحلاها إيقاعا ووزنا بالنسبةإلى نظائرها.

قال تعالى: (وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا) فقال (وَاشْتَعَلَ) لم يقل وتبدل أو تغير ... لأن الإشتعال يقول عنه أهل اللغة هو تحول المادة من حالة إلى حالة أخرى بحيث لايمكن أن ترجع للحالة الأولى البتة وهكذا حال الشيب لايمكن رجوعه للسواد إطلاقا .. وقد حدث جدل عظيم بين أهل الفلسفة هل الشيب عرض أم جوهر و ببساطة أجاب القرآن على هذه إذ أن كلمة (شيبا) جاءت نكرة ومن قواعد اللغة أن النكرة فرع ليست أصلا والشيب كذلك ليس أصلا،، فياله من تعبير.

قال تعالى: (فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ) لم يقولوا افترسه أو ذبحه إنما قالوا (أكله) وذلك أن إخوة يوسف أرادوا التخلص من يوسف نهائيا لأنهم لو قالوا افترسه لطالب أبوهم يعقوب ببقية المفترس وبالتالي يتبين كذبهم ويفتضح أمرهم فقالوا (أكله) أي لم يبق منه شئ فأنظر إلى الاختيار الدقيق لألفاظ القرآن.

قال تعالى: (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) (الكوثر: 2)

لماذا جاء اللفظ (انحر) ولم يقل اذبح؟ هل هذا لأجل الفاصلة في السورة فحسب أم هي روعة البلاغة القرآنية؟ يقول أهل اللغة أن النحر خاص بالإبل، والذبح خاص بالغنم وغيرها، فمعلوم أن الله أعطى نبيه الخير العميم وقال (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ) على أصح الأقوال ثم أمره بأفضل العبادات وهي الصلاة وأيضا أمره بأفضل القرابين وأنفسها عند العرب وهي الإبل وقال (َانْحَرْ) فجمعت هذه الكلمة حسنا إلى حسن، روعة التعبير وجمال الفاصلة للآية.

3 -النظم القرآنى يهتم بالإيقاع والإنسجام في اللفظ والنغم:

فيؤتى بالكلمة وتوضع في مكان معين من العبارة بحيث لو تغير وضعها تقديما أو تأخيرا أو حذفا لأختل ذلك التناسق اللفظى وذلك الوزن الخاص، ومن أمثلة ذلك:

قال تعالى: (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى *وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى) (النجم: 19&20)

فلو حذفت كلمة (الأخرى) أو كلمة (الثالثة) لاختل الوزن ولتأثر الإيقاع.

وكذلك قوله تعالى: (أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَى * تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى) (النجم: 21&22)

فلو قيل: ألكم الذكر وله الأنثى تلك قسمة ضيزى بحذف كلمة إذا، لاختل الإيقاع، فكأن هذه الحروف والكلمات موزونة بميزان شديد الحساسية، تميله أخف الحركات والإهتزازات.

الأسلوب القرآني الفريد

الأسلوب القرآني: هو طريقته التي انفرد بها في تأليف كلامه واختيار ألفاظه، ولقد اتفق العلماء قديمًا وحديثًا على أن للقرآن أسلوبًا خاصًا به مغايرًا لأساليب العرب في الكتابة والخطابة والتأليف.

وكان العرب الفصحاء يدركون هذا التمايز في الأسلوب القرآني عن غيره من الأساليب، روى مسلم في صحيحه (أن أُنَيسًا أخا أبي ذر قال لأبي ذر: لقيتُ رجلًا بمكة على دينك، يزعُمُ أن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت