فهرس الكتاب

الصفحة 67 من 198

تطيقون فإن الله لن يملَّ حتى تملوا"وكان يقول:"أحب العمل إلى الله ما داوم عليه صاحبه وإن قل).

ومما يدل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم إنما نهى عن الإسراع في القراءة خوفًا على أتباعه من الملل ما ثبت عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا عبد الله لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فترك قيام الليل) .

وثمة سبب آخر لنهيه عليه الصلاة والسلام عن الإسراع ألا وهو الحث على التدبر فالإسراع في التلاوة وتدبر المعاني نقيضان قد لا يلتقيان، وقد سبق ذكر الحديث الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يفقه من قرأه في أقل من ثلاث) ، وأخرج مسلم بسنده عن شقيق قال: (جاء رجل من بني بجيلة يقال له نهيك بن سنان إلى عبد الله، فقال إني أقرأ المفصل في ركعة فقال عبد الله: هذًّا كهذّ الشعر؟. . .) .

قال النووي رحمه الله: (وهو شدة الإسراع والإفراط في العجلة ففيه النهي عن الهذ، والحث على الترتيل والتدبر وبه قال جمهور العلماء) .

وقال النووي -في معنى قول ابن مسعود في إحدى روايات الحديث المذكور: إن أقوامًا يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه نفع: (معناه أن قومًا ليس حظهم من القرآن إلا مروره على اللسان فلا يجاوز تراقيهم فيصل إلى قلوبهم، وليس ذلك هو المطلوب، بل المطلوب تعقله وتدبره بوقوعه في القلب)

ومما يدل على شدة عناية النبي صلى الله عليه وسلم بالقرآن أنه حرم القول فيه بغير علم، حتى ولو أصاب القائل في قوله، أي أن تفسير القرآن بدون علم حرام وإن كان صوابًا فعن جندب بن عبد الله قال:"قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ) ."

وعن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اتقوا الحديث عني إلا ما علمتم، فمن كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار، ومن قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار) .

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار) .

لذا ... أوصي نفسي وإخواني بالحرص على الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في كل شيء وعلى رأس ذلك اهتمامه وعنايته بالقرآن الكريم، وأن لا نجعل همنا فقط إقامة حروف القرآن وضبط تجويده دون تدبر لمعانيه وعمل بما فيه، أسأل الله أن يرزقني وإياكم حب القرآن وحفظه والعمل به والوقوف عند حدوده وأن يجعلنا ممن يكون لهم القرآن يوم القيامة شافعًا وأن يظلنا في ظله يوم لا ظل إلا ظله.

أولا: جمع القرآن بمعنى حفظه

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مولعا بالوحي، يترقب نزوله عليه بشوق، فيحفظه ويفهمه، مصداقا لوعد الله (إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ) فكان بذلك أول الحفّاظ، ولصحابته فيه الأسوة الحسنة، شغفا بأصل الدين ومصدر الرسالة، وقد نزل القرآن في بضع وعشرين سنة،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت