ومن أمثلة هذا التدرج في الأحكام: تحريم الخمر:
المرحلة الأولى:
قال تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا) (البقرة: 219) وفى ذلك تهيئة للنفوس لتتقبل ماسينزله ربنا تبارك وتعالى من تشريع لتحريم الخمر
المرحلة الثانية:
قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ .. ) (النساء:43) فمنعهم من الخمر في أوقات محددة معلومة وهى أوقات الصلوات لتتهيأ النفوس بعد ذلك على ترك الخمر بالكلية.
المرحلة الثالثة:
قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (المائدة: 90)
قالت أم المؤمنين حبيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة بنت الصديق رضى الله عنها: (حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر لقالوا لا ندع الخمر أبدا ولو نزل لا تزنوا لقالوا لا ندع الزنا أبدا) رواه البخارى
فهذا التدرج يتفق مع الفطرة التى فطر الناس عليها، ومع هذه النفس البشرية لأنه تشريع الخالق الذى يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير.
فهو لا يقتصر على تنظيم علاقات الناس بعضهم ببعض، منعزلة عن الرقابة الإلهية في السر والعلن، وإنما ينظم هذا التشريع هذه المعاملات على أساس من مراعاة علاقة الإنسان بخالقه على أكمل وجه، وتقدير الجانب الخلقي في التعامل على حب الخير، ومنع الأذى، وطهارة النفس، وصفاء القلب، وعلو النفس، والترفع عن الدناءات، وهذه الخصائص جعلت التشريع القرآني خالدًا إلى يوم القيامة لايُنقَضُ ولا ينسخ، ويجمع بين المثالية والواقعية.
قال تعالى: (وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) (فصلت: 42)
ويبدو التكامل في التشريع القرآني من خلال صلته المتلازمة بين العقيدة والعبادة والشورى كما قال تعالى: (وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) (الشورى: 38)
رابعا: التوازن والإعتدال:
هذا التشريع يجمع للإنسان بين روحه وعقله، لايقدس الروح إلى حد الشلل عن الحياة، ولايقدس المادة إلى حد الطغيان والإرتكاس في الشهوات، ولايرفع العقل إلى حد أن يصبح العقل إلها يعبد من دون الله
قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (الجمعة: 9&10)
جمع بديع في هذه الآيات بين الروح والبدن، فهو تشريع متوازن، معتدل، ولذلك يجمع نبينا بأبى هو وأمى وروحى صلى الله عليه وسلم، يجمع هذا المنهج في دعاء نبوى جميل في صحيح مسلم فيقول صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وسلم: (اللهم أصلح لى دينى الذى هو