فربما نزلت الآية المفردة، وربما نزلت آيات عدة إلى عشر، وكلما نزلت آية حفظت في الصدور، ووعتها القلوب، والأمة العربية كانت بسجيتها قوية الذاكرة، تستعيض عن أميتها في كتابة أخبارها وأشعارها وأنسابها بسجل صدورها.
ومن أشهر الحفاظ في عهد النبي صلى الله عليه وسلم من ذكر في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (خذوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود، وسالم، ومعاذ، وأبي بن كعب) . وهؤلاء الأربعة: اثنان من المهاجرين هما: عبد الله بن مسعود، وسالم، واثنان من الأنصار هما: معاذ، وأبي. رواه الحاكم والترمذي، وقال حسن صحيح، وصححه السيوطي.
ـ وعن قتادة قال: سألت أنس بن مالك: من جمع القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال أربعة، كلهم من الأنصار: أبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد، قلت: من أبو زيد؟ قال: أحد عمومتي.
ـ وروي من طريق ثابت عن أنس كذلك قال:"مات النبي صلى الله عليه وسلم ولم يجمع القرآن غير أربعة: أبو الدرادء، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو يزيد". وذكر هؤلاء الحفاظ السبعة أو الثمانية، لا يعني الحصر، فإن النصوص الواردة في كتب السير والسنن تدل على أن الصحابة كانوا يتنافسون في حفظ القرآن، ويُحَفِّظونه أزواجهم وأولادهم. ويقرؤون به في صلواتهم بجوف الليل، حتى يسمع لهم دوي كدوي النحل، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمر على بيوت الأنصار، ويستمع إلى ندى أصواتهم بالقراءة في بيوتهم، فعن أبي موسى الأشعري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: (لو رأيتني البارحة وأنا أستمع لقراءتك؟ لقد أعطيت مزمارا من مزامير آل داود) رواه مسلم.
ـ وعن عبد الله بن عمرو قال:"جمعت القرآن، فقرأت به كل ليلة، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (اقرأه في شهر) "رواه أحمد وصححه السيوطي في بعض الروايات.
من هذه النصوص يتبين لنا أن حفظة القرآن في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم كانوا جمعا غفيرا، فإن الاعتماد على الحفظ في النقل من خصائص هذا الأمة. قال ابن الجزري شيخ القراء في عصره:"إن الاعتماد في نقل القرآن على حفظ القلوب والصدور، لا على خط المصاحف والكتب أشرف خصيصة من الله تعالى لهذه الأمة".
اتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم كتَّابا للوحي من أجلاء الصحابة. كعلي، ومعاوية، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، تنزل الآية فيأمرهم بكتابتها، ويرشدهم إلى موضعها من سورتها، حتى تظاهر الكتابة في السطور الجمع في الصدور، كما كان بعض الصحابة يكتبون ما ينزل من القرآن ابتداء من أنفسهم، دون أن يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم، فيحفظونه في العسب، واللخاف، والكرانيف، والرقاع، والأقتاب، وقطع الأديم، والأكتاف.
السعف: وهو الجزء البعيد عن النخلة الأم الذي ينبت عليه الخوص.
العسيب: وهو الجزء الذي يليه أي هو أقرب إلى النخلة منه ولا ينبت عليه خوص بل ينبت عليه السُّلاء وهو شوك النخلة.